بقلم الأب يسطس الأورشليمى
كتبها بولس الرسول إلى اليهود، وقد أعترض البعض على أنه كاتب هذه الرسالة، وذلك لسببين: لأن الرسالة ليست على نمط الرسائل السابقة، فهو لم يذكر اسمه ولأنها مكتوبة للعبرانيين أي اليهود، وبولس رسول الأمم، لقد أعتاد أن يذكر اسمه في مقدمة رسائله، فلماذا لم يفعل هكذا في هذه الرسالة ؟!!
 عُرف الرسول  في الكنيسة الأولى كرسول الأمم، بينما الرسل بطرس، ويوحنا، ويعقوب وغيرهم كرسل لليهود، لهذا كان بولس أكثر تحرراً منهم في شأن الارتباط ببعض الطقوس اليهودية، مما جعل الكثير من المسيحيين الذين من أصل عبراني ينفرون منه (أع21:21).. 
 
وقد قيل له، أنهم أُخبروا عنك أنك تُعلّم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يَختنوا أولادهم ولا يسلُكوا حسب العوائد، ولما كانت هذه الرسالة موجهة إلى هذه الفئة، أي المسيحيين العبرانيين، لهذا كان من اللائق ألاّ يذكر اسمه حتى، لا يحجموا عن قراءة الرسالة أو يُمزقوها، أنظر الكتاب المُقدس (أع21:21-24)..
 
+ والذي يُثبت أن بولس كاتب الرسالة، تجد في آخر إصحاح يقول: إلى العبرانيّين، كُتبت من إيطاليا، على يد تيموثاوس، ومن المعروف أنه تلميذ بولس الرسول (عب25:13)، وفي رسالة بطرس الرسول الثانية، حيث يقول: وأحسبوا أناة ربّنا خلاصاً، كما كتب إليكم أخونا الحبيب بُولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له، أنظر الكتاب (2بط15:3)..
 
   غاية وهدف الرسالة:
دُعي الرسول بولس لخدمة الأمم، لكنه لم يُحرم من خدمة بني جنسه خاصة الذين كانوا يقطنون بين الأمم، إذ كان يود لأن يكون محروماً من أجلهم (رو3:9)، فالله لم يمنعه عن خدمتهم، وحبه للجميع دفعه للاهتمام بكل الفئات، خاصة أنه أقدر من غيره على الكتابة إليهم بكونه دارساً دقيقاً للناموس الموسوي، والطقوس اليهودية، فلم يبخل عليهم لحاجتهم لها..
 
إن تفهمنا الصورة الحقيقية للكنيسة الأولى، يمكننا أن ندرك الهدف من هذه الرسالة، فقد كان الرسل مع أعداد كبيرة من اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح، يشتركون مع إخوتهم، وبني جنسهم في عبادة الهيكل ويراعون الناموس، ويقرنون أنفسهم بالأمة اليهودية وبرجائها، ولكن بفكر روحي جديد في المسيح يسوع ربنا (فى13:4)، حقاً كان الكثير منهم غير قادرين على الانفصال عن هذه الأمة اليهودية..
 
كانت غاية الرسالة هو تأكيد أن المسيحية ليست حرماناً، وإنما هي اقتناء السمويات وتمتع بالأبديات، فهي طرد إلى خارج المحلة مع المسيح المصلوب خارج أورشليم، لكنها تمتع بمدينة الأبكار العلوية، فبارتفاع المسيح على الصليب، تقدر أن تخرج إليه كنيسته مطرودة من الجماعة اليهودية صاحبة الفكر الحرفي العقيم، وتشاركه آلامه وعاره..
 
إذ كان الهيكل اليهودي على وشك الانهيار التام، لتنتهي الطقوس اليهودية في أورشليم، وتقطع الذبيحة، ويتوقف الكهنوت اللاوي، كشف الرسول عن الهيكل المسيحي، وذبيحة المسيح والكهنوت الجديد، فعبر بنا من الظل إلى الحقّ، وعوض شبه السمويات دخل بنا إلى السمويات عينها لقد أوضح حقيقة الظلال القديمة وقوتها وكمالها بعودتها إلى أصولها العميقة ومصدرها الأساسي في شخص المسيح الذبيح والكاهن إلى الأبد.. 
 
مكان كتابة الرسالة ومميزاتها..
كتب الرسول هذه الرسالة في أورشليم وفلسطين، وتعتبر الرسالة مثل الرسالة إلى أهل رومية أشبه ببحث علمي، وهي أكثر من غيرها من أسفار العهد الجديد، تقيم تعاليمها وبراهينها على أسفار العهد القديم المتداولة بين الشعب اليهودي، فمفاهيم العهد القديم قد تجلت خلال ذبيحة الصليب، فقدم لنا الرسول لحناً سماوياً، يسحب قلب المسيحي العبراني من الظلال إلى الحقّ، ومن العبادة الجسدية الخارجية إلى خدمة المسيح الفائقة، فهو يمثل سيمفونية جميلة بألحانها البديعة، تكشف عن وحدة العهدين، بإعلانه الحقّ الخفي وراء الناموس، والذبيحة الحقيقية.. 
 
عالج الرسول في بعض رسائله مسألة الفروض، والوصايا الناموسية مثل الختان كما في رسالتيه إلى أهل غلاطية، وإلى أهل كولوسي، وهذه تمس أمور شخصية يمكن للإنسان أن يمارسها، أو يرفضها، أما هنا فيكتب عن موضوع جماعي، يخص الهيكل اليهودي، المُغلق في وجوه الجميع والرعوية اليهودية التي حُرموا منها بغير اختيارهم..
 
خصّص الرسول بولس الإصحاحين الأخيرين، للوصايا العملية من التزام بالجهاد، والحب، والطاعة، وذلك كعادته في بقية الرسائل، لكنه في نفس الوقت يمزج أحاديثه في جوهر الرسالة، بالجانب السلوكي العملي..
 
نجد بولس الرسول يحول العقيدة إلى خبرة وحياة تُعاش، فهو يكتب لا ليُشبع الفكر نظرياً، وإنما ليروي عطش الإنسان بكليته في أعماقه الداخلية ومشاعره وأحاسيسه، كما في سلوكه وتصرفاته الظاهرة، فيعيش لله بالكامل
 
لقد اختلفت هذه الرسالة، عن بقية الرسائل الخاصة بالرسول، من جهة المواضيع الرئيسية التي كانت تشغل ذهنه، وهنا لا يتحدث عن الكنيسة كجسد المسيح الذي هو رأسها، ولا عن اتحادنا مع الآب في ابنه بالروح القدس، وشركتنا مع مخلّصنا في آلامه لننعم بشركة أمجاده، لكنه وهو يكتب في موضوع فريد هو، حرمان المسيحيين العبرانيين، من الهيكل والطقس يتحدث عن: " كهنوت المسيح" الذي يشفع بدمه أمام أبيه، خلال اتحادنا فيه حتى ننعم بالهيكل السماوي، والطقس الملائكي البديع !!

أقسام الرسالة ومحتوياتها..
وفيه يُعلن بولس الرسول ما نلناه في المسيح يسوع الذبيح والكاهن خلال مقارنته بما ناله اليهود في العهد القديم من إمتيازات وبركات وهي:
(1) المسيح والأنبياء..         (2) المسيح والملائكة...
(3) المسيح وموسى..         (4) المسيح ويشوع...
(5) المسيح وهرون..         (6) أحاديث إيمانية..
(7)المسيح وملكي صادق..    (8) المسيح رئيس الكهنة..
(9) الخدمة السمائية..        (10)  الدخول إلى الأقداس..  
(11) الإيمـــان..         (12) الجهـــــاد...
(13) وصايا ختامية..