يجب إعادة تصنيف العنف في نيجيريا لخانة حماية الأقليات الدينية
حنان فكري
قرى تصحو على رائحة الموت، هناك تختلط أصوات الاطفال بصراخ الناجين، في نيجيريا صار الإيمان فعل مقاومة، والنجاة مُعجزة يومية. إذ يواصل المسيحيون هناك كتابة فصل تلو فصل من حياة مؤلمة مهترئة، والعالم ما زال يجلس في مقاعد المتفرجين. بينما تمتد المآسي عبر شمال ووسط نيجيريا، ويمتزج الدم بالدين، والعنف بالهوية.
رغم الأميال البعيدة إلا أن القصص تتطاير يحملها الهواء الى كل مكان، ولا تخفيها المسافات، اتذكر منها ما وقع في فجر الثالث عشر من يونيو 2025، حينما انقلب سكون قرية «يلواتا» بولاية "بينو" النيجيرية إلى جحيم. بعدما اقتحم مسلحون مخيمًا للنازحين وأضرموا النار– فجرا- في عشرات البيوت الطينية. لم يتبق سوى الرماد، وصرخات مكتومة تحت الخشب المحترق. أكثر من مئتي مدني، معظمهم من المسيحيين، بين قتيل ومفقود- بحسب وكالة الأنباء الكاثوليكية- النساء احترقن داخل الأكواخ، والأطفال فروا إلى الحقول قبل أن تبتلعهم النيران.
تستطيع أن تسمع أصوات الناجيات من هجوم مشابه في العام الماضي، حينما روت 82 ناجية من فتيات احتجزتهن جماعة "بوكو حرام"، وأُجبرت بعضهن على الزواج القسري أو على تفجير أنفسهن. قالت إحداهن: "أطلقوا النار على أبي أمامي، وقالوا إننا مشركات اذا صرخنا سوف يقتلوننا" – وفقا لتقرير منظمة العفو الدولية في يونيو 2024- تلك الأمثلة التي يتشدق البعض بأن ضمير البشرية يهتز لها، يبدو أنها صارت معتادة، إلا إذا ارتبط الحديث عنها بمصلحة سياسية أو جغرافية. فمتى يكترث المجتمع الدولي؟
ورغم بشاعة هذا الواقع، تظل الحكومة النيجيرية تصف ما يجري بـ«نزاع رعوي-زراعي» لا يحمل طابعاً دينياً، فيما تروي الكنائس قصصاً أخرى عن مذابح تُرتكب بدم بارد، وعن صلوات تُقطع بنيران الرشاشات.، ولا أعرف كيف يٌنكر الساسة ما يقره واقعهم؟! فبحسب منظمة "المجتمع المسيحي" الحقوقية بنيجيريا، قتلت تلك الميليشيات 25,312 مسيحيًا وخطفت 16,761 خلال عقد واحد، متجاوزة في ذلك أرقام "بوكو حرام" نفسها. ووفقا لتقرير منظمة الأبواب المفتوحة، لعام 2024، تم تصنيف نيجيريا أخطر بلد للمسيحيين في العالم، بعد تسجيل 4650 قتيلاً بسبب الإيمان وحده – أي ما يعادل ثمانية قتلى يوميًا. وفي كثير من مخيمات النازحين، تُحرم الأسر المسيحية من المساعدات الحكومية «بسبب أسمائهم»، وفقًا لتقرير صادر عن الوكالة الكاثوليكية في أكتوبر 2024.
ووفقا لتقرير منظمة "المجتمع الداخلي" الحقوقية في نيجيريا، والصادر في 22 أغسطس 2025، فإنه خلال النصف الأول من العام وحده تم قتل أكثر من 7 آلاف مسيحي، واختُطف نحو 7800 آخرين على أيدي جماعات متطرفة مثل "بوكو حرام" و"رعاة الفولاني المسلحين"،
ويظل العالم يتأرجح بين الصمت والتواطؤ. حتى بعد أعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إعادة إدراج نيجيريا على قائمة «الدول المثيرة للقلق في ملف الحريات الدينية، إذ تم رفعها خلال ولاية جو بايدن عام 2021 على اثر تقييم أسماه حينها «تحسناً نسبياً» لكن الحكومة النيجيرية تنكر، بل وتتهم ترامب بمحاولة الهيمنة العسكرية، وبين الهيمنة الأمريكية والإنكار النيجيري، لا نجد صوتا عالميا متزنا، فتضيع الحقائق ويسقط انقاذ للبشر في بئر الجدل السياسي، بينما يأتي المشهد على الأرض فاضحًا للرواية الرسمية: كنائس تُحرق، صلبان تُكسر، وقبور جديدة تُحفر كل أسبوع.، وما زالت الدماء تصبغ مذابح الشمال النيجيري؟!
لكن لماذا الصمت؟ ذلك الصمت الذي يبدو كما لو كان قرارا مركبا، قد تُعلله الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. ربما لأن نيجيريا لا تحتل مكانة استراتيجية مثل أوكرانيا أو الشرق الأوسط، أو بسبب نقص بيانات موثوقة وتصنيفات موحدة،مما يُسهل تجنب مسميات مثل اضطهاد ديني أو إبادة جماعية، لأن هذا التصنيف يُحمل الدول والمنظمات التزامات قانونية وإنسانية عالية.، أو ربما لأن الأولويات العالمية، تتجه نحو الأزمات التي تؤثر مباشرة على الاقتصاد أو أمن الدول الكبرى، بينما ازمة مسيحي نيجيريا محلية بعيدة، ونتيجة لذلك، يتحول القتل الجماعي إلى عنوان مُكرر وسط اخبار عن نزاع إجرامي، بعيدًا عن إدراك الهدف الخفي " الآخر الديني ذاته" بسبب تغول "بوكو حرام" المبايع لتنظيم "داعش" في غرب افريقيا منذ عام 2014. فلم تعد «بوكو حرام» مجرد تنظيم إرهابي، بل ثقافة موت تتغذّى على عجز الدولة وصمت العالم
لذلك على الزعماء والساسة إعادة النظر في تصنيف العنف في نيجيريا ضمن خانة “حماية الأقليات الدينية” من خلال هيئات دولية، يتم السماح لها بالرصد والمتابعة، عبر إجراءات قانونية وبالتالي يمكن ايحاد وسيلة عقابية دولية. مع ربط المساعدات الخارجية بحماية ضحايا الدين والمعتقد، وتقديم دعم فوري لإعادة بناء الكنائس والمدارس المسيحية المتضررة. ومخاطبة الاتحاد الأفريقي لتطوير قاعدة بيانات دولية شفافة توثق الحوادث حسب الدين والجغرافيا وجهة تنفيذ الجريمة، تحت إشراف أممي مستقل، ما يجعل الحديث عن الأرقام والمجرمين لا يخضع للتقديرات، ولكن لإحصاء قوي، يكسب القضية قوة قانونية وسياسية أكبر.
إن تجاهل هذا الملف لا يؤدي فقط إلى إبقاء المسيحيين في نيجيريا داخل دائرة الموت الصامت، بل يُرسخ رسالة خاطئة مفادها أن دماء بعض البشر أقل قيمة من غيرها. وإذا واصل العالم النظر بعيدًا، فسيظل الدم مسكوبا حتى إشعار آخر، وسيظل المسيحيون في نيجيريا على صليب الرعب الدموي، فيما يواصل العالم تدوين أرقامه الباردة على جثثهم الساخنة.
وأخيرًا… قد يتساءل البعض: لماذا الحديث عن مسيحيي نيجيريا؟ : الجواب بسيط: إن نيجيريا ليست بعيدة ، وقضيتها لم تعد شأنًا دينيًا محليًا، بل تعبيرًا صارخًا عن فشل العالم في مواجهة التطرف المسلح. الذي يستهدف الأقليات في نيجيريا اليوم، هو الوجه ذاته الذي عرفناه في الشرق الأوسط خاصة في "سوريا والعراق وليبيا" وايضا في أفغانستان، إنه جرس إنذار يقرع من أجلنا جميعًا. والسكوت عنه هو تواطؤ غير مُعلن، فحين يضرب الارهاب في الجنوب الأفريقي لا يبقى هناك؛ فهو وباء عابر للقارات، لن يتوقف عن حصد ضحاياه ما لم يتوقف العالم عن الاكتفاء بمشاهدة الدماء على الشاشات، ثم مسح ضميره ببيان باهت قبل أن يعود إلى تجارته. التي تضع حسابات المصالح فوق حياة البشر.





