الأب أغسطينوس ميلاد 
إيماني ورأيي الشخصي
منذ فجر التاريخ المسيحي وكل الشعب المؤمن بالمسيح يعرف مكانة ودور العذراء مريم في حياتهم.
وعقيدة أن العذراء مريم هي أم يسوع المسيح الكلمة المتجسدة، والدة الإله، أم الكنيسة، "أم الشعب المؤمن".
 
 وعلينا أن نعي وندرك ونفهم بعمق معنى أن الرب يسوع المسيح هو وحده "وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص." (أع 4: 12). ومعنى شريكة في الفداء...
 
 وبدون الرفض أو القبول حول ما يثار الآن من لغو، أو لما يُقال وينشر عن:
"أن القديسة مريم العذراء "شريكة في الفداء" أو "أم الشعب المؤمن".
فمهما كان من هو كتب هذا، أو من وافق عليها، أو أيدها أو رفض ...
وبغض النظر عن ضبابية الخبر وماهية التدخلات، والدوافع والأسباب، وما نتج أو سينتج عن هذا التعديل.
 
فدور أمنا القديسة الطاهرة مريم العذراء أم الشعب المؤمن متجلي عبر وفي كل مسيرة الخلاص والكنيسة، وللأبد.
 
 فالمسيح هو الوسيط والفادي والمخلص الوحيد. نعم. ولا شريك معه...
 
وإجابة الإنجيل صريحة وواضحة: 
"وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص." (أع 4: 12).
"وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضا." (1يو 2: 1-2).
"لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح،" (1 تي 2: 5).
الفداء محصور حصرًا برب المجد يسوع المسيح.
 
 وأما المقصود بشريكة في الفداء كونها أم فعلى المستوى النفسي والقلبي والعقلي والروحي تألمت معه، وله، ولأجله، ولأجل خلاص البشرية...
 لم تقم العذراء مريم بالفداء بجسدها.
فمسيرة الخلاص كلها تخص رب المجد يسوع المسيح وحده.
 
وأمنا مريم أم الشعب المؤمن، والأم المتعاونة والشريكة في الفداء...
 
ولقد "باركهما سمعان، وقال لمريم أمه: ها إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل، ولعلامة تقاوم. وأنت أيضا يجوز في نفسك سيف، لتعلن أفكار من قلوب كثيرة." (لو 2: 34 ـ 35).
 
  فدور أمنا مريم متجلي عبر كل مسيرة الخلاص، وفي الكنيسة، وللأبد.
 
فلقد تجلّى دور أمنا مريم في الفداء بإعلانها: "نعم، أنا أمة الرب"، وقد اخترق سيف الأحزان نفسها وروحها وقلبها نتيجة معاناة ابنها، وما تحمّله من إهانات وعذابات وموت. فلم يتألم أحد مع الرب يسوع إلا أمه القديسة، العذراء مريم.
 
  إنها مساهمة ومشاركة وشريكة في الفداء روحيًا من خلال حزنها وانكسار قلبها، وكل هذا يؤثر على كيانها بأكمله.
  يقول القديس بولس: "لأجلكم أفرح في آلامي، وأُكمل في جسدي ما نقص من شدائد المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو1: ٢٤). 
فالكنيسة، وخاصة أم الكنيسة، تشارك في الخلاص، مع أن المسيح، هو الوسيط الوحيد.
 
  والعلاقة التي تربط العذراء مريم بسر وذبيحة الفداء الدموي على الجلجثة، دون إغفال مشاركتها في حياة يسوع المسيح الأرضيّة برُمّتها منذ (الحَبَل والولادة والموت والقيامة والصعود).
 
وفي زمن الكنيسة أيضًا، مع التّأكيد على البنية الثّالوثيّة لشراكة العذراء مّريم في سِرّ الخلاص: مبادَرة الآب، وتخلّي الآبن وإفراغه من ذاته، وتأثير نعمة الرّوح القُدُس.
 
 في نهاية المطاف، وانطلاقًا من أولويّة المسيح وفرادته في الفداء، تُعَدُّ العذراءُ مَريم "المفتادة الأُولى" به.
 
وفي نصوص الإنجيل التي تُعلن: "الروح القدس يحل عليكِ، وقدرة العلي تُظللكِ" (لوقا ١: ٣٥) و "وُجدت مريم حبلى بالروح القدس... حملت ما فيها بالروح القدس" (متى ١: ١٨، ٢٠). إن الروح القدس هو الذي يُقدس ويُثمر قبول مريم لمشيئة الآب لها. إنها ممتلئة بنعمة الروح القدس، الذي يُرشدها في جميع لحظات حياتها.
 
إن "روعة القداسة الفريدة" التي "تُغنى بها مريم منذ اللحظة الأولى للحبل بها" تأتي بالكامل من المسيح: إنها "تُفتدى بطريقة أكثر تعالى بسبب مزايا ابنها". بارك الآب مريم أكثر من أي مخلوق آخر "في المسيح مع كل بركة روحية في السماويات" واختارها "في المسيح قبل تأسيس العالم، لتكون مقدسة بلا لوم أمامه في المحبة". (عقيدة "الحَبَل بلا دنس").
 
  ولذا، فهي تستطيع أن تشارك وتتعاون وتسهم بشكلٍ قويّ وعميقٍ للغاية مع المسيح والرُوح القُدُس في عمل الخلاص، لتضحى "النّموذج الأوّل والقدوة والمثال لما يريد الله تحقيقه في كلّ مُفتدَى". 
 
ومِن ثمَّ، ليست مَريمُ موضعَ عبادةٍ تُضاف إلى المسيح، وإنّما هي مُدمجَةٌ في سِرِّ المسيح من خلال تجسُّده. إنّها الأيقونة التي يُبجَّل فيها المسيح ذاته.
 
 إنّها وَالدةُ الإله، الأُمُّ العذراء التي تُقدِّم ابنَها يسوع المسيح، وهي في الوقت عينه، التي تُظهِر، بالإشارة بيدها، إلى الطّريق الأوحد، الذي هو المسيح»
وإنّ أُمُومتها ليست أُمُومة بيولوجيّة فحسب، وإنّما هي أُمُومة "فاعلةٌ بالكامل" تتّحد مع السِّرِّ الخلاصيّ للمسيح كأداةٍ يريدها الآبُ في مشروعه الخلاصيّ...
 
  وتفسير لقب "شريكة في الفداء" 
 إنّ كل إنسان هو شريك في خلاص نفسه وخلاص الآخرين. فيقول القديس بولس في رسالته الى أهل كولسي:" "الذي الآن أفرح في آلامي لأجلكم، وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده، الذي هو الكنيسة،" (كو 1: 24). فذلك لا يعني أن عمل خلاص الله ناقص أو غير كاف، بل للتأكيد أن خلاصنا دائمًا يحتاج إلى تفاعل منا مع ما قدمه يسوع المسيح من أجلنا على الصليب.
 
يعلن القدّيس بولس شوقه نحو تكميل آلام المسيح، ليست آلامه الكفّاريّة هذه التي لا يشاركه فيها كائن ما، إذ اجتاز المعصرة وحده، هذه التي لا يمكن أن يقدّمها إلا من كان بلا خطية ما، قادر أن يقدّمها ذبيحة كفّاريّة عن العالم كله. إنّما هي آلام لامتداد ملكوت الله، يحتملها السيد المسيح الساكن في حياة خدّامه وشعبه بكونها آلام هو. هذا ما أوضحه السيد المسيح نفسه لشاول الطرسوسي، حين قال له: "لماذا تضطهدني؟" (أع9: 4). فما وُجّه من اضطهاد ضد المؤمنين حسبه السيد موجّه ضدّه شخصيًّا.

كان الرسول بولس يتهلّل بالآلام لأنها شركة في آلام المسيح، وأيضًا لأنها ضروريّة لبنيان الكنيسة. إنها هبة إلهيّة تقدّم للخدّام كما للشعب: "لأنه قد وُهب لكم... لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألّموا لأجله، إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيّ، والآن تسمعون فيَّ" (في1: 29 ـ 30).

  لم يشعر القديس بولس الرسول في آلامه من أجل الكنيسة أنه متفضّل على الشعب بهذا، إنّما يحسبها أمرًا لازمًا وضرورة يلتزم بها إذ يحسب نفسه عبدًا لمؤمنين: "فإنّنا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2كو4: 5).

فيسوع المسيح جسده الآن هو الكنيسة، وقليلون الذين يلمسونها، وكثيرون يضيقون عليها ويزحمونها (لو 8: 45)، فبكونكم أبناء لها قد سمعتم أن جسد المسيح هو الكنيسة، وأيضًا: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1كو 12: 27). 

  إن كنا جسده فإن ما يتحمّله جسده في الزحام تتحمّله الكنيسة الآن. كثيرون يضيقون عليها ويزحمونها، وقليلون هم الذين يلمسونها. الجسد يضغط عليها، والإيمان يلمسها. أنصحكم أن ترفعوا أعينكم، يا من لكم العيون التي ترون بها، لأن أمامكم أمورًا تُرى. ارفعوا أعين الإيمان. المسوا هدب ثوبه، فإن هذا يكفي ليهبكم الصحة". (ق. أغسطينوس).

ويعلن القديس أغسطينوس: "الله الذي خلقك دون إرادتك، لا يُخلّصك دون إرادتك" أي أنّ خلاص الله دائمًا بحاجة الى جواب منا، بأن نقول نعم، ونعمل وفق تجاوبنا وقبولنا بنعم...

وأقول الآباء القديسين تؤكد ذلك:
"إلى الرجاء العتيد، وأنا لا أتألم من أجل نفسي وإنما من أجلكم" (ق. يوحنا ذهبي الفم)
"كيف هذا؟ لأنه لكي أكرز لكم يلزمني أن أتألم. حيث أن المسيح هو رأس الجسد، تتولّد المتاعب خلال كلمة الحق للذين هم في الكنيسة. هذه تُدعى طبيعيًا آلام المسيح". (الأب سفيريان أسقف جبالة)
"يملأ (يكمل) بولس آلام المسيح بمعنى أنه يحتمل الآلام لكي يكرز بالخلاص للأمم". (الأب ثيؤدورت أسقف قورش).
   يعترف بولس أنه يفرح في الآلام التي يحتملها، لأنه يرى نموًا في إيمان المؤمنين. هكذا آلامه ليست فراغًا، حيث بما يتألم به يُضاف إلى حياته. إنه يحسب تلك الآلام مرتبطة بآلام المسيح، للذين يتبعون تعليمه.

  وهنا نعود لنتحدّث عن أمنا مريم العذراء، فإذا كنا نحن من وُلدوا بالخطيئة الأصلية نشارك في عمل خلاصنا وخلاص الآخرين بمثالنا ودورنا الصالح، فكم بالحري أمنا العذراء المولودة بلا دنس الخطيئة الأصلية؛ وقال الرب الإله للحية: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه." (تك 3: 15). وآيات كثيرة من الكتاب المقدس تثبت هذه العقيدة: "السلام عليك يا ممتلئة نعمة، الرب معك" (لو 28:1). ونجد مثلاً في زيارة مريم لإليصابات تقول اليصابات لها: "مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك" هنا يظهر التساوي في البركتين وقولها مباركة أنت في النساء ويظهر كتفضيل خاص لمريم وإنعام خاص من الله لها فهي مباركة كما أن أبنها مبارك ويقول القديس بولس: " "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرا بين إخوة كثيرين." والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضا. والذين دعاهم، فهؤلاء بررهم أيضا. والذين بررهم، فهؤلاء مجدهم أيضا." (رو 29:8 ـ 30).

  إذاً العذراء في فكر الله منذ القدم وممتلئة نعمة منذ الحبل بها وليس في ساعة ولادتها أوفي ساعة حبلها من الروح القدس بمخلص العالم، يسوع المسيح.

وتقول الآية أو النبوة عن العذراء:
"كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة." (نش 4: 7).
كالسوسنة بين الأشواك كذلك خليلتي بين البنات (نش 2: 2)
كلك جميلة يا خليلتي ولا عيب فيك (نش 4: 7)
"إني خرجت من فم العلي بكرا قبل كل خليقة،" (سي 24: 5).
أختي العروس مقفلة ينبوع مقفل وعين مختومة (نش 12:4).

  فلنا أن نتخيّل دورها ومشاركتها ومعاونتها في خلاصنا؛ فالمشاركة في الفداء ليس معناه أن القديسة الطاهرة مريم العذراء مشاركة إلى درجة أنها مساوية لله في الجوهر، وهذا ما لا نؤمن به. أما ما تؤكده الكنيسة بكل وضوح، ان مريم العذراء متعاونة في الفداء بكمال دورها الإنساني وبكل ما نالت من نعم من الله حيث وضعت كل كيانها "أمة الرب" في خدمة مخطط الخلاص، وهذا ما نؤمن به حقًا. وأن المسيح هو الوسيط والفادي والمخلص الوحيد، والفريد وليس غيره؛ "وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص." (أع 4: 12).

  والروح القدس، الذي يُنير العقول والقلوب، يُنير عقولنا وقلوبنا. آمين.

  فليسمع من له آذان، ويبصر من له عيون، ويفكر من له عقل، ويقرر من له ضمير حرّ مؤمن، ويختار من له إرادة حرة.