بقلم الأب يسطس الأورشليمى
مُوكب النُصرة الذي يعيشه المُؤمن حيثُ يسقط إبليس في الأسر، ويتمجد الرسُول مع كُل العاملين معه وكُل الشعب، وتفُوح رائحة بخُور سمائية هي رائحة المسيح الذكية، فالمُؤمن الحقيقي إذ يختفي في الصليب يشعر دُوماً بنُصرته في المسيح يسُوع على كُل قوات الظلمة والخطية والعالم..
السيد المسيح السماوي نزل إلينا لكي يصير قائد نُصرتنا الذي يعبر بنا إلى السماء، إذ هُو وحده قادر أن يحملنا فيه ويفتح أبواب السماء أمامنا، حقاً إنه بمعصية آدم ملك المُوت على العالم، فكم بالأحرى تملك الحياة ببرّ المسيح ؟! وإن كانُوا قد طردُوا من الفردُوس بسبب الشجرة التي أكلُوا منها، أليس من الأسهل أن يدخل المُؤمنُون الفردُوس بصليب الرّب ؟!
لأننا رائحة المسيح الذكية لله، في الذين يخلُصُون وفي الذين يهلكُون لهُؤلاء رائحة مُوتٍ لمُوتٍ، ولأولئك رائحة حياةٍ لحياةٍ، ومن هُو كفُوء لهذه الأمُور؟ لأننا لسنا كالكثيرين غاشين كلمة الله، لكن كما من إخلاصٍ بل كما من الله نتكلّم أمام الله في المسيح (2كو14:2-17)..
إذ يعيش الرسُول بُولس في سلسلة لا تنقطع من مُواكب النُصرة، يشتم الآب فيه وفي الكنيسة كُلها رائحة المسيح الذكية، حيثُ يرى فيهُم إرادته الإلهية قد تحققت، وفي مُوكب النُصرة المستمر يتهلّل المُؤمنُون الغالبُون حاملين رائحة الحياة، بينما ينهار غير المُؤمنين المتمردُون على الإيمان فيهب السيد المسيح شمس البرّ والشفاء في أجنحتها (ملا2:4)، حياةً ونمُواً للأشجار المغرُوسة في كرمه المرتُوية بمياه الرُوح القُدس..
تأمل في قصة دانيال، وفي قصة الرّب يسُوع وامرأة أمسكت في ذات الفعل (دا6؛ يو4:8-11)، ففي قصة دانيال رأينا الحُب الذي بلا قُوة أمام القانُون، وفي قصة الزانية نرى القانُون الذي بلا قُوة أمام الحُب..
فداريُوس الملك لم يُفكر أن يُلقي بنفسه بين الأسُود بدلاً من دانيال البريء الذي أحبه، ولكن الرّب يسُوع قبل فرحاً أن يمُوت بدلاً من الزانية المُقضي عليها بالمُوت، فأي نعمة يُقدمها الرب يسوع للخطاة والعشارين؟!
يبدُو أن كُل إنسان في العالم يجتاز ضيقاً ليس لأن الحياة مُؤلمة، لكن لأن قُلوبنا ضيقة، لا تحتمل متاعب الحياة، والحاجة المُلحّة لا إلى أن تزُول الضيقات، بل أن تتسع قلُوبنا وذلك بالالتقاء مع الله الحُب كله، الذي يُعطي قلبك أتساعاً، فلتتهلّل نفسك حتى إن مرّرت بضيقة أو شدة أو تجربة..
لسنا ننكر واقعية الحياة بآلامها وأتعابها وضيقاتها، لكن الصلاة سند لك لتحُول دمُوعك إلى تعزيات سماوية، وتقُول: عند كثرة همُومي في داخلي تعزياتك تُلذّذ نفسي (مز94)، فعظمة الإنسان ليست في مركزه ولا في شعبيته، وإنما باهتمامه بكُل أحد ليجعل منه صديقاً شخصياً له، فالقلب الكبير لا يرتبط برتبة كنسية ولا بكبر السن، وإنما باتساعه ليقبل الله فيه فكُونُوا أنتم أيضاً متسعين، لأنكُم تعرفُون نعمة ربنا يسُوع المسيح..
الله يُريد أن أولاده يختبرُون الانتصار على المُوت من الآن، فالانتصار على الخطية، والذات، والعالم، والشيطان، هذه كُلها أشياء ضرُورية، فإذا كُنا نُريد أن نتمتع بنُصرة كاملة، فيجب علينا أن نهزم آخر عدُو لنا، وهُو المُوت (1كو26:15)..
فهُناك مُوت مُوجُود في الطبيعة، ومُوت مُوجُود فينا، ومُوت مصدره الشيطان، لأن الأرض مُوضُوعة تحت لعنة، وخاضعة لها، ففي نفس يُوم مُولدنا يبدأ المُوت يعمل فينا، ونبدأ رحلتنا نحُو القبر..
فهُو ليس حدث فجائي، لكنه شيء تدريجي، أنه مُوجُود فينا وهُو يلتهمنا ببطء، وما انطلاقنا من خيمتنا الأرضية، إلاّ المحصلة النهائية للرحلة..
والمُوت قد يُصيب أرُواحنا فيُحرمها من الحياة والقُوة، ويُصيب نفُوسنا فيشّل مشاعرنا وأفكارنا وإرادتنا، ويُصيب أجسادنا فيجعلها مريضة وضعيفة والمُوت قد ملك (رو17:5)، فهُو يملك على الرُوح والنفس والجسد، وحتى إذا كان تأثيره لم يصل بعد إلى ذرُوته، والنتيجة النهائية: هي ذلك المصير المحتُوم لكُل البشر وهُو المُوت الجسدي للجميع (رو23:6)..
وكما أن هُناك سيادة للمُوت، فهُناك أيضاً سيادة للحياة..
فالرسُول بُولس يُؤكد لنا أن كُل الذين ينالُون فيض النعمة، وعطية البرّ سيملكُون في الحياة، وهذه القُوة تفُوق بكثير قُوة المُوت التي تعمل فينا..
إننا نحتاج أن نفهم جيداً العلاقة بين الخطية والمُوت، فالمسيح مات لكي يُنقذنا من الخطية وعقبها، وهُو يدعُونا لكي ننتصر على كليهما، لأن عندما كُنا خطاة كُنا أمواتاً في خطايانا، ولكن الرّب يسوع بموته لأجلنا قد أبطل المُوت، وبسبب اتحادنا معه لا يعُود المُوت يسُودنا، فنحنُ متنا عن الخطية وأصبحنا أحياء لله، (رو11:6)..
فالخلاص الذي أعده الرّب لنا، يستبدل الخطية بالبرّ، والمُوت بالحياة والرسُول بُولس يصف الخلاص الكامل، لأن نامُوس رُوح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من نامُوس الخطية والمُوت (رو2:8؛ 1كو26:15)..
إننا نحتاج أن ننتصر على المُوت كما على الخطية، لأننا في المسيح قد غلبنا الخطية والمُوت، فيجب من خلال مُوت الرّب أن ننتصر على قّوة المّوت التي تعمل في أجسادنا، وكما واجه المُوت على الأرضِ وغلبه لأجلنا، فالله يُريدنا أن نطلب منه قُوة للانتصار على المُوت عدُونا..
إن الشيطان يمتلك سلطان المُوت من الخطية (رو12:5؛ عب14:2) والصليب هُو أساس الانتصار على قُوة المُوت، والرّب اقتحم مملكة المُوت وانتزع شُوكته الخطية، وهكذا جّرد الشيطان من سلطانه (كو15:2)..
هناك ثلاث طرق مختلفة للمُؤمنين لكي ينتصرُوا على المُوت وهي:
أولاً: بأن يثقُوا أنهُم لن يمُوتُوا، إلاّ بعد انتهاء خدمتهُم ورسالتهُم..
ثانياً: لا يخافُوا من المُوت، لعلمهُم بأن شوكته قد انتُزعت..
ثالثا: أن يُؤمنُوا بأنهُم سيتحرّرُون تماماً من المُوت، إذ يُختطفُون أحياء عند مجيء الرّب، أنظر (1كو51:15؛ 1تس14:4-17)، من أجلكُم افتقر وهُو غني، لكي تستغنُوا أنتُم بفقره (2كو13:6؛ 9:8)..
مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في، فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسُوع المسيح، أنظر (غل20:2؛ 14:6)..
لم يكن بُولس خائفاً من المُوت، ولكنه كان يعلم بالإيمان أنه لن يمُوت طالما أن خدمته لم تكتمل بعد، أنظر (2تي7:4؛ 2بط14:1)، لأنه كما أننا نعيش للرّب، ينبغي أيضاً أن نمُوت للرّب (رو8:14)، فأي دعُوة للرحيل لا تأتي من الرّب يجب علينا مقاُومتها، وبالاعتماد على كلمة الله نستطيع أن نحقق الانتصار على المُوت، أنظر الكتاب (1كو55:15)..
نحنُ نعرف أنه في الملكُوت الآتي سُوف يكُون الرّب يسوع هُو شمس البرّ التي يكُون الشفاء في أجنحتها (ملا2:4؛ 1كو54:15) ومتى لبس هذا الفاسد عدم فسادٍ، ولبس هذا المائت عدم مُوتٍ، فحينئذٍ تصير الكلمة المكتُوبة اُبتلع المُوت إلى غلبةٍ، فالذي يُميز زمن الملكُوت هُو أنه لن يكُون هُناك ضعف ولا مرض ولا مُوت، لأن أجسادنا سيكُون قد تم فداؤها..
ومع أن أجسادنا مازالت تنتظر الفداء، إلاّ أننا نستطيع الآن بالإيمان أن نذُوق مُقدماً قوات الدهر الآتي، فلا يُصيبنا ضعف ولا مرض ولا مُوت، ويقُول الرسُول بُولس في وصف التغيير الذي سيحدث لأجسادنا، فإننا نحنُ الذين في الخيمة نئنّ مُثقلين، إذ لسنا نُريد أن نخلعها بل أن نلبس فُوقها، لكي يُبتلع المائت من الحياة، ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هُو الله الذي أعطانا أيضاً عربُون الرُوح، أنظر (2كو4:5-6؛ عب5:6)..
إن كلمة: عربُون هنا تعني مبلغ مدفُوع للضمان، فالرُوح القُدس فينا هُو الضمان الإلهي الذي يُؤكد لنا أن المائت سُوف يُبتلع من الحياة، ومع أننا لم نختبر بعد هذه النُصرة بكامل معناها، إلاّ أننا نختبرها جزئياً لأن لنا عربُون الرُوح القُدس، فالله أعطانا رُوحه لكي نستطيع أن نتذُوق من الآن الانتصار المُقبل للحياة، فيقُول بُولس الرسُول لتلميذه تيمُوثاوس:
أن الله أظهر نفسه الآن بظهُور مُخلّصنا يسُوع المسيح، الذي أبطل المُوت وأنار الحياة والخُلُود بُواسطة الإنجيل، فالحياة والخلُود نصيب كُل مَن يقبل ويُؤمن بالإنجيل، أنظر الكتاب المُقدس (2تي10:1)..
وأنت أيها الأخ المحبُوب لدى الرّب، حينما يُحيط بك الضباب من كُل جانب وتُعاق الرُؤية، ولا تعرف إلى أين المسير؟!
رجاء ألاَ تفقد شجاعتك ولا تدع عزيمتك تخُور، ولا تستسلّم لحظة للشكُوك التي يُحاربك بها إبليس من جهة أمان وسلامة الطريق، بل ثق أن القبطان الأعظم هُو الذي يقُود سفينة حياتك، وهُو يعلُو فُوق الضباب، ويرى كُل الطريق ويعرف جميع التفاصيل، ثق أنه يحبك وقد وضع على عاتقه مسئولية حمايتك من المخاطر فركز مشاعرك وأحاسيسك وعواطفك في محبته العجيبة، إذ يقول الله للنفس البشرية: محبة أبدية أحببتكِ من أجل ذلك أدمتُ لكِ الرحمة (إر3:31).





