الأب يسطس الأورشليمى
استخدم الصليب فى الحضارات البدائية وقبل المسيحية كأداة للعقاب بأن يتم تعليق أو صلب الشخص على الصليب، لكى يتم تنفيذ حكم الإعدام فيه، وكان يتـم ذلك بربط اليدين والرجلين به أو بصورة أبشع بتسمير أطراف الجسد بالمسامير.

بقدوم المسيحية اكتسب الصليب أهميته بالنسبة للمسيحيين من خلال صلب المسيح عليه فأصبح رمزاً للتضحية والنصر، كما رمز به أيضاً إلى المسيح وآلامه.

استخدام الأقباط العلامة الهيروغليفية "عنخ"  أثناء فترة  ما قبل منشور ميلان ، وهذه العلامة التى اتخذت فى مصر القديمة لترمز إلى الحياة وتعبر عنها والتى كثيراً ما صورت مع "الواس" رمز القوة لتعبر عن النماء والازدهار والاستمرارية والتجديد. 

رمزت العنخ أيضاً إلى الحياة الأبدية فى العالم الآخر، وقد ظهر آلهة المصريين القدماء والفراعنة يحملون هذه العلامة مثل الإلهة ماعت إلهة الحكمة، وقد عبرت عن اتحاد الأرض والسماء، فالحياة والخلود كما مثلت مفتاح لمعارف الحياة وغموضها فى ذات الوقت، كما رمزت أيضاً إلى اتحاد إيزيس وأوزوريس كما رمزت أيضاً إلى الشمس الساطعة فى الأفق، والجزء الدائرى العلوى من علامة العنخ يعبر عن إلهة السماء "نوت" أما الجزء السفلى فيعبر عن إلهة الأرض جب، وأن تلاقى الاثنين معاً يعبر عن ميلاد الحياة.

يذهب البعض إلى أن الصليب بشكله المألوف ذو الأربعة أضلاع ظهر فى الفن المصرى القديم يزين رقبة الإلهة إيزيس، كما ارتدى حورس الطفل قلادة دائرية بداخلها صليب ونفس الشئ بالنسبة للإله نفر- حتب والإله بس، ونتيجة لذلك فقد ذهب المسيحيون فى تبرير ذلك إلى أن الآلهة المصرية القديمة والفراعنة قد أمسكوا بعلامة العنخ أو هذا الرمز المقدس ارتدوا قلادات مزينة بشكل الصليب تمجيداً لدين المستقبل البعيد وهو المسيحية.

وبعض المؤرخين ربما يرجع إلى الحادثة الشهيرة الخاصة بتدمير معبد سيرابيس فى الإسكندرية والتى أخبرنا عنها المؤرخ الكنسى سقراط (380- 450م) الذى عاصر أحداث تلك الفترة عندما أصدر بطريرك الإسكندرية ثيوفيلوس (385- 412م) قراراً بتدمير معبد سيرابيس وأثناء هدم المعبد لوحظ أن علامة العنخ موجودة بأعداد هائلة وأشكال تقترب من شكل الصليب محفورة على الجدران فاعتقد الكثير من المسيحيين حينئذ أن هذه العلامة ما هى إلا رمز لآلام المسيح، وهنا يتعجب سقراط كيف توصل كهنة مصر القديمة أن يتكهنوا برمز آلام المسيح وذلك قبل مجيئه بعدة قرون وهو ما أيده أيضاً المؤرخ روفينوس (345- 410م)

إن الصليب Crux هو أهم رمز دينى مسيحى وهو الأكثر انتشاراً فى الفن المسيحى بشكل عام، وقد وجد الصليب قبل المسيحية حيث أن له مغزى كونى أو طبيعى، فقد كان يشير خطين متقاطعين بطول متساوى إلى أبعاد الكون الأربعة.

تم استخدام الصليب بشكل صريح فى القرن الرابع الميلادى والذى كان مواكباً أيضاً لظهور المونوجرام، كذلك استخدم الصليب للرمز إلى عدة معانى، فالصليب بشكل عام رمز إلى المسيحية، أما لدى المسيحيين أنفسهم فقد رمز إلى الفداء والتضحية والخلاص، فعلى سبيل المثال 

الصليب اللاتينى  رمز إلى تضحية المسيح وإلى النجاة، 

أما الصليب اليونانى داخل الدائرة فقد رمز إلى النصر أو انتصار المسيحية ، 

أما الصليب القبطى فقد رمز إلى جسد المسيح تتفرع منه أثنى عشر فرعاً ترمز إلى الحواريين الاثنى عشر، 

أما أضلاع الصليب الأربع فقد ترمز إلى المبشرين الأربعة، 

وفى العصر الحديث استخدم الصليب أيضاً مع الهلال ليرمز إلى الوحدة الوطنية ما بين المسلمين والمسيحيين.

يشير بولس الرسول إلى أن الصليب لم يعبر عن آلام يسوع ولكنه يعبر عن قيامته والوعد بالحياة الأبدية 

أراد الفنان من تصوير الصليب الذى هو رمز الخلاص والفداء بجانب علامة الغنخ وهى رمز الحياة أن البشر يستطيعوا عبور الحياة إلى ملكوت السماوات بسلام، وهناك شاهد حجرى استخدم كوسيلة للتضرع عثر عليه فى أحد الأضرحة يرجع للقرن السادس – السابع الميلادى، وقد كان الشكل العام لهذه القطعة وحجمها نادراً استثنائياً فى الفن فقد تم تصوير علامتى العنخ فى كل جانب بشكل ثرى وكأنهما عمودان يعتلى كل منهما صليبان، بينما يتوسط المشهد صليب على جانبيه علامتى الألفا والأوميجا يعلو الصليب واجهة بداخلها صدفة، وتتدلى من قاعدة الواجهة عناقيد العنب ورموز الشاهد تضمن حياة أبدية للمتوفى المسيحى الذى يُعلق أمله على المسيح. 

كما مثلت العنخ على قطعة نسيجية ترجع إلى القرن السادس الميلادى مزينة بخمس علامات عنخ مرسومة بين شريطين كلاهما مجدول وملون. فالعنخ الوسطى كانت باللون الأحمر زينت عروتها بطغراء المسيح، بينما الأربعة الباقين زينت عروتهم بالصليب وربما قصد الفنان هنا من خلال تصوير طغراء المسيح بداخل العنخ أن الحياة هى المسيح. 

كما تظهر العنخ فى فترة مبكرة عن القطعتين السابقتين على قارورة من الخزف ترجع إلى القرن الرابع، وهنا تظهر علامة العنخ وحدها دون تداخل الصليب معها.

على شاهد حجرى لصاحبه بامونتيس الذى نُقش اسمه على قاعدة الجمالون نجد علامتى العنخ بداخل كل عروة. نحت الفنان الصليب اليونانى كما تحتوى الواجهة المثلثة أيضاً على صليب يونانى نفذه الفنان بدقة وعمق، كما تظهر بين علامتى العنخ أداة تستخدم فى النجارة تسمى قدوم ذلك لأن مهنة المتوفى هى النجارة وهو ما يتضح من خلال النقش الإغريقى على الُنصب. 

من خلال ما سبق نجد أن الفنان قد قام بتصوير العنخ إما على الشواهد الجنائزية التى وجدت عليها بكثرة ملحوظة حتى القرن السابع الميلادى وأما على الأكفان المستخرجة من المقابر فنرى أن القبطى كان لديه قناعة فى تلك الفترة أن هذه العلامة هى بمثابة رمز دينى مقدس رأى فيه خلاصة واستخدمه كوسيلة للتقرب به إلى الرب، ربما لم تقل أهميتها عنده عن الصليب، ومما يؤكد ذلك أنه بدأ بالفعل تصوير الصليب بشكله الصريح فى القرن الرابع الميلادى مع الاعتراف بالمسيحية، وعلى الرغم من ذلك فقد استمر فى تصوير العنخ، وربما يرجع ذلك إلى أن المسيحيين الأوائل أظهروا عدم العزم على تأمل خزى المخلص على الصليب وتساءلوا عن كيفية صلب الإله، ولذلك فقد فضلوا أن يكون الصليب رمزاً للنصر ومصدر الحياة ووسيلة للمرور إلى المجد الإلهى أو تأكيداً لقوة وسيادة المسيح ضد الأرواح الشريرة، وقد يكون الصليب علامة أو رمز تشير لشخص معين بأنه ينتمى كلية إلى المسيح ولديه إيمان لا يتزحزح عنه.

يؤكد Cirlot أن الصليب رمزاً أساسياً للشهادة والكفاح وأن الصليب تم تصويره بشكل رمزى فى العصور الوسطى فاتخذ شكل حرف Y وصورت معه الورود والأغصان والأشواك ليرمز إلى شجرة الحياة التى تحوى ثماراً صالحة وأخرى فاسدة.

فى بعض الأحيان صور الصليب وله سبع درجات ليشير إلى الأشجار الكونية ذات الجذور المتعمقة فى الأرض والتى ترمز فى نفس الوقت إلى الجنان السبع فيكون الصليب بذلك بمثابة أداة اتصال ما بين الأرض والسماء، وفى الفن الرومانى فقد أكثر الفنان من تصوير الصليب داخل المذبح، حيث صور كنصب تذكارى للمسيحيين فى مشهد مقدس وجعل فى ذلك علاقة مباشرة مع الطقس الدينى، فالصليب بالنسبة له هو رمز الانتصار أى إنتصار المسيحى على الموت، بل وجعل من المذبح مكاناً رمزياً، فهو المكان الذى ضحى فيه المُخَلص بنفسه من أجل البشرية.