بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول القديس أغسطينوس: (في حديثه للمتأهبين لسرّ العماد). المحبة هي وحدها العلامة المميزة بين أولاد الله وأولاد إبليس. لنطبع أنفسنا بسمة صليب يسوع المسيح... ولنصطبغ جميعًا بالعمودية. وليحضر الكل إلى الكنيسة لنبني أسوار الكنيسة، فليس ثمة شيء يميز أولاد الله عن أولاد إبليس إلا المحبة.
كلمة "سمة" أو Taw جذبت أنظار الكثيرين بكونها تحمل الحرف اليوناني Taw الذي يحمل شكل الصليب، فيشير العلامة أوريجانوس إلى هذا الأصحاح متحدثًا عن السمة أنها علامة الصليب.
ويتحدث العلامة ترتليان عنها بكونها علامة آلام السيد المسيح كَسِرٍ للخلاص من الهلاك كما قال: [الحرف اليوناني Tou أو حرفنا (اللاتيني) T هو نفس شكل الصليب الذي تنبأ عنه كعلامة أورشليم الجامعة الحقيقية ]. هذه هي العلامة التي تحفظ المؤمن.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم : بعد هذه الكلمات، بعد جحد الشيطان وإقامة عهدٍ مع المسيح، فإنه بقدر ما قد صرت له تمامًا، ولم يعد لك شيء مشترك مع ذاك الشرير، يأمرك أن تُختم (تُمسح) ويوضع علي جبهتك علامة الصليب.
لا يخجل ذاك الوحش الكاسر. فإنه إذ يسمع هذه الكلمات يزداد وحشية بالأكثر، كما نتوقع، ويود أن يهاجمك في مشهدٍ. لذلك فإن اللَّه يمسح ملامحك، ويختم عليها علامة الصليب. بهذه الطريقة يكبح اللَّه جنون الشرير، فلا يعود يتجاسر إبليس أن يتطلع إلى هذا المشهد. فيكون كمن يرى أشعة الشمس فيثب بعيدًا، إذ تُصاب عيناه بالعمي عندما يتطلع إلى وجهك فيهرب.
خلال الميرون يختم الصليب عليك... ويلزمك أن تعرف أنه ليس بإنسان بل اللَّه نفسه هو الذي يمسحك بيد الكاهن. اصغ إلى القديس بولس وهو يقول: “الله هو الذي يثبتنا نحن وأنتم في المسيح، وقد مسحنا”.
يرى القديس مار افرآم السريانى أن ضد المسيح يطبع سمته على جبهة أتباعه أو في يمينهم حتى لا يعودوا يفكرون في رشم علامة الصليب بيمينهم على جبهتهم، وبهذا يضمن بقاء قوته الشريرة فيهم
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «ومع الصلاة ارشم نفسك بالصليب على جبهتك وحينئذ لا تقترب إليك الشياطين، لأنك تكون متسلحًا ضدهم»
الشهيد يوستين: هذه تعني قوة الصليب، لأنه استخدم كتفيه عندما صُلب لحمله الصليب.
يرى الآباء القديسون أن المعمودية هي دخول إلى الجندية الروحية حيث يُختم طالب العماد بختم الروح ويُحسب جنديًا روحيًا لحساب مملكة الرب.
القديس كيرلس الأورشليمي: «يأتي كل واحد منكم ويقدم نفسه أمام الله في حضرة جيوش الملائكة غير المُحصاة، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تُسجل أنفسكم في جيش الملك العظيم.
القديس يوحنا الذهبي الفم : «كما يُطبع الختم على الجند، هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين. يدهن الله ملامحكم ويختم عليها بعلامة الصليب. بهذه الطريقة يكبح الله كل جنون الشرير، فلا يجسر إبليس على التطلع إلى منظر كهذا، إذ يُصيب عينيه العمى بالتطلع إلى وجوهكم، ويكون كمن يتطلع إلى أشعة الشمس فيثب هاربًا...»
يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الصليب كعلامة مجد وقوة... قائلاً: «الصليب هو مجد.» أنظر ماذا يقول الإنجيلي... "الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد" (يو 7: 39). الصليب هو الذي أزال العداوة بين الله والناس مقدمًا المصالحة، جاعلاً الأرض سماء، جامعًا الملائكة مع البشر، محطمًا قلعة الموت، مضعفًا سطوة الشيطان، مطفئًا سلطان الخطية، منقذًا العالم من الخطأ ومسترجعًا الحق، طاردًا الشياطين، مهدمًا معابد الأوثان ومحولاً مذابحهم ومبطلاً ذبائحهم، زارعًا الفضيلة ومؤسسًا الكنيسة!
الصليب هو إرادة الآب، مجد الابن، وفرح الروح القدس. إنه موضوع فخر بولس إذ يقول: «حاشا ليّ أن افتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح» (غلا 6: 14).
الصليب أكثر لمعانًا من الشمس، وأبهي ضياء من أشعِّتها، فعندما اظلمت الشمس أبرق الصليب. الشمس أظلمت لا لأنها انطفأت، بل لأن ضياء الصليب غلبها...الصليب يكسر قيودنا، ويبطل سجن الموت. إنه علامة حب الله (يو 3: 16)
الصليب هو حصن حصين، وترس منيع، حامي للأغنياء، وينبوع للفقراء، مدافع عن الساقطين في الشِباك، ودرع للذين هم في هجوم، ووسيلة لقهر الشهوات ونوال الفضائل، وآية عجيبة مدهشة.
القديس أغسطينوس: بالتأكيد تتحدث النبوة بأكثر وضوح عن الرب يسوع عندما قيل "مثل حمل سيق إلى الذبح" (بكونه فصحنا).
لقد مُسحت جبهتك بعلامة (دمه) وأيضًا القائمتان، إذ حمل كل المسيحيين ذات العلامة.
البابا أثناسيوس: [كان لائقًا بالرب أن يبسط يديه... حتى يضم بالواحدة الشعب القديم وبالأخرى الأمم ويوحدهما معًا فيه ]. هذا هو عرض أورشليم الجديدة، إذ يليق بالمؤمن أن يحمل سمة مخلصه المصلوب فيبسط بالحب يديه ليضم في قلبه كل البشرية إخوة له. أما بالنسبة للخشبة الطولية فسمر عليها جسد الرب المرتفع فوق الأرض، محققًا وعده "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع" (يو 12: 32)، عاملاً المصالحة بين الآب والإنسان فى جسده المصلوب.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم نلاحظ نظرته الإنجيليّة العجيبة لتعبير "الصبر"، فإنه لا يتطلّع إليه كجهادٍ بشريٍ مجرّد أو قُدرة إنسانية على احتمال الضيق، وإنما يراه "مكافأة"... كيف يكون هذا؟ لأن "الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب 12: 2-3). مرة أخرى يقول الرسول: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبّة الله وإلي صبر المسيح" (2 تس 3: 5).
يعود إيليا إلى العالم لكي يقاوم ضد المسيح باسم البشرية المؤمنة، وسيغلبه في معركة واحدة حاسمة، بالروح القدس، متسلحًا بالكلمة، وفي نهاية المعركة يظهر السيَّد المسيح نفسه ويتوج نصرة إيليا بسحق ضد المسيح في الجسد والنفس.
يقول القديس أغسطينوس يشير إلى المحبة لله والناس، فبفلسين قدمت الأرملة كل حب قلبها في خزانة الرب، وبالدينارين أعلن السامري الصالح أعماق محبته للجريح. ونحن لا نقدر أن نبدأ موكب الصليب، ولن يكون لنا موضع في جسد السيد المسيح المتألم والممجد ما لم نبدأ بالقريتين، ونلتقي به في موكبه خلال الحب. الصليب ليس ظلمًا يسقط علينا، ولا تجربة تحل بنا، لكنه انفتاح القلب الداخلي بالحب لله والناس بلا تمييز ولا محاباة ليتسع للجميع فنحمل سمة المصلوب الذي قيل عنه: "ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو 5: 10). بالحب الحقيقي حتى للمقاومين والأعداء البشريين واتساع القلب للبشرية كلها يضمنا الروح القدس إلى موكب الصليب، لنمارس شركة الحب الإلهي خلال الألم، وننعم بالغلبة الروحية حين نرى أنفسنا وقد اشتهينا أن نجلس في آخر صفوف الموكب، لنفرح بالنفوس المتقدمة في الرب والممجدة به، قائلين مع الرسول بولس: "فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي" (رو 9: 3). هذا الذي إذ يرى شعب الله وقد دخل الموكب السماء يحسب مجدهم مجدًا له، وفرحهم فرحه، فيقول لهم بصدقٍ: "يا سروري وإكليلي" (في 4: 1).
ويقول القديس كيرلس الكبير: [هذا الذي هو نسمة كل الأرواح المقدسة في السماوات يُحتقر كواحدٍ منا، محتملاً اللطمات بصبرٍ، خاضعًا لسخرية الأشرار، مقدمًا نفسه لنا في كمال طول الأناة، أو بالحري معلنًا وداعته الإلهية العظيمة التي لا تُقارن... لقد سخروا به كمن هو إنسان جاهل مع أنه واهب كل المعرفة، وناظر للخفيات فينا ]
القديس كيرلس الكبير: إن كان السيد المسيح قد حمل خطايانا، فقد رُفع على الصليب عاريًا ليفتدينا من عار الخطية. قلنا في تفسير مت 27: 35، أن الثياب المقتسمة أربعة أقسام تشير إلى الكنيسة الممتدة إلى أربع جهات المسكونة، أما القميص الذي كان منسوجًا من فوق (يو 19: 23) الذي اقترعوا عليه دون أن يُشق، فيشير إلى الكنيسة التي ينبغي أن تحمل سمة عريسها، فتوجد سماوية (منسوجة من فوق) وبلا انشقاق أو انقسام. ]
العلامة ترتليان: يُغسل الجسد لكي تتطهّر النفس من الدنس (بالمعموديّة)؛ ويُمسح الجسد لكي تتكرّس النفس، يُرسم الجسد (بعلامة الصليب) لكي ما تُحفظ النفس؛ يُظلّل الجسد بوضع اليد لكي ما تستنير الروح، يتغذّى الجسد بجسد المسيح ودمّه لكي ما تقتات النفس باللَّه. لا يمكن فصلهما (الجسد والنفس)... عندما يتّحدا معًا في أعمالهما
القديس يوحنا الذهبي الفم: أنت أحد المؤمنين! ارسم علامة الصليب. قل: هذا هو سلاحي الوحيد، هذا هو دوائي، لا أعرف شيئًا سواه





