كتب - محرر الاقباط متحدون
دخلت الأزمة بين السلطات الأرمنية والكنيسة الرسولية الأرمنية المقدسة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، مع إدانة المحكمة في العاصمة يريفان لسيادة رئيس الأساقفة ميكائيل أجاجباخيان، رئيس أبرشية شيراك، بتهمة الدعوات العلنية إلى إسقاط السلطة، وذلك في جلسة ترأستها القاضية أرمينه ميليكسيتيان.
وبحسب صفحة الأخبار المسكونية، أعلنت القاضية أن التدبير الاحترازي المفروض على رئيس الأساقفة يبقى دون تغيير، مع تحديد جلسة استماع إضافية في 29 سبتمبر الساعة 15:30. وقالت القاضية في قرارها:
«تُحدد جلسات استماع إضافية في التاريخ المذكور».
وكان رئيس الأساقفة أجاجباخيان قد اعتُقل في 28 يونيو الماضي، بعد نشر مقابلات سابقة له اتهم فيها القيادة الحالية للبلاد بانتهاج سياسة مدمرة، ودعا إلى القيام بانقلاب.
وبموجب المادة (422) من القانون الجنائي الأرمني، وُجهت إليه تهمة الدعوات العلنية إلى الاستيلاء على السلطة وإسقاط النظام الدستوري بالقوة باستخدام وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات.
وأكد محامي الدفاع أرا زوغرابيان أن السلطات تسعى إلى إبقاء موكله في السجن حتى الانتخابات البرلمانية عام 2026، مشيرًا إلى أن العقوبة القصوى لهذه التهمة تصل إلى السجن خمس سنوات.
وخلال كلمته الختامية عشية الجلسة، قال رئيس الأساقفة أجاجباخيان متحديًا:
«في ظل الظروف الحالية، أعتبر شرفًا وسرورًا أن أجلس على مقعد المتهمين».
وأضاف:«حتى قبل بدء المحاكمة كانوا يقولون لهم: لا تتورطوا مع المطران ميكائيل، ستبقون في موقف الأحمق. وها أنتم قد بقيتم في موقف الأحمق يا سادة...».
وبذلك أصبح في نظر الكثيرين "السجين رقم 1" في أرمينيا، خاصة بعدما كشف أنه رفض عرضًا من السلطات لدعمه في حال قاد حملة ضد صاحب القداسة الكاثوليكوس كاريكين الثاني كاثوليكوس عموم الأرمن.
يشير المراقبون إلى أن السلطات تسيء تقدير شخصية المطران ميكائيل، إذ أن له خبرة طويلة في مواجهة الأنظمة، تعود إلى الحقبة السوفيتية حين سُجن في الحجز الانفرادي بسبب تمسكه بإيمانه، وتعرض للتعذيب لدرجة أن والدته لم تتعرف على ملامحه وعرفته فقط من صوته.
كما ينتمي رئيس الأساقفة إلى أسرة كهنوتية عريقة جلست على عرش الكاثوليكوسية في كيليكيا لمدة 135 عامًا، وبين أسلافه عشرات الأساقفة والكهنة، ومن بينهم القديس ميكائيل أجاجباخيان الذي استشهد عام 1909 في مجزرة كيليكيا.
تصريحات باشينيان ضد الكنيسة
في سياق متصل، كان رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان قد صرّح في 20 سبتمبر خلال المؤتمر السابع لحزب العقد المدني، بأنه سيواصل الحملة الرامية إلى إقصاء الكاثوليكوس غاريغين الثاني من منصبه، رغم أن انتخابه يتم وفق النظام الكنسي مدى الحياة.
وقال باشينيان:
«الكنيسة الرسولية الأرمنية المقدسة يجب أن تعود إلى مسار مؤيد للدولة ومرتبط بالدولة، وهذا غير ممكن من دون إقصاء كترتش نرسيس (الاسم العلماني لقداسة كاريكين الثاني). علينا أن نحقق هذه الأجندة لا محالة».
ووصف مبادرته بأنها «أجندة روحية لا سياسية»، معتبرًا أن مناقشة مسألة الإقصاء مرتبطة بـ «تعقيدات مفهومية متصلة بالأمن القومي».
التصعيد في عيد الاستقلال
في 21 سبتمبر، يوم استقلال أرمينيا، ازداد التوتر مع إعلان باشينيان مواصلة حملته لإقصاء الكاثوليكوس، واستخدام تكتيكات جديدة عبر محاولة "أثارت الجدل في الأوساط الكنسية."
فبعدما فشلت الحملات الإعلامية في دفع البطريرك للاستقالة، بدأت السلطات بحسب تقارير بالبحث عن رجال إكليروس غير راضين عن الكاثوليكوس، وعرضت عليهم دعمًا ماليًا إذا أعلنوا موقفًا معارضًا له.
وكشف المطران المعتقل ميكائيل أجاجباخيان أنه تلقى بالفعل عرضًا مشابهًا، لكنه رفضه.
استغلال كاهن جديد في المخطط
وبحسب تقارير كنسية محلية، دخل الكاهن أرام أساتريان من دير أوفانافانك في دائرة الاستهداف السياسي. فمنذ 1 سبتمبر بدأ بطرح تصريحات مثيرة للجدل عبر وسائل التواصل، ثم تلقى بحسب قوله تهديدات من السلطات الكنسية.
وفي 10 سبتمبر أعلن باشينيان دعمه له، واعتبره صوتًا إصلاحيًا. لكن أبرشية أراغاتسوتن، حيث يخدم أساتريان، أصدرت في 12 سبتمبر عقوبة تأديبية بحقه لانتهاكه القوانين الكنسية، مؤكدة أن تصريحاته تصب في صالح الحملة المعادية للكنيسة.
وفي 16 سبتمبر، ظهر الكاهن أساتريان على التلفزيون العام واعتبر نفسه «كاهنًا مواليًا لباشينيان». غير أن مراقبين شددوا على أنه لا يمكن أن يصبح كاثوليكوسًا لكونه كاهنًا متزوجًا، ما يفتح تساؤلات حول مرشح السلطات المحتمل لخلافة كاريكين الثاني.
يرى مراقبون أن الأزمة لا تقتصر على الداخل الأرمني، بل تُغذّى أيضًا من قبل المحور التركي – الأذربيجاني، إذ أن إضعاف الكنيسة الرسولية الأرمنية – باعتبارها ركيزة الهوية الوطنية الأرمنية – يفتح المجال لتفكيك البنية الروحية للدولة وتعزيز النفوذ الخارجي في جنوب القوقاز.
هكذا، تقف أرمينيا اليوم أمام مشهد كنسي – سياسي معقّد: رئيس أساقفة معتقل يرفض المساومة، رئيس وزراء مصرّ على إقصاء بطريرك منتخب مدى الحياة، ومحاولات منهجية لتفجير الكنيسة من الداخل.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، يبقى السؤال الأكبر:




