بقلم الأب يسطس الأورشليمى

نعم بإيمان يحييهُم ويجعل الأشياء غير المُوجُودة كأنها مُوجُودة .

   أولاً: مستُودع سارة، أي أحشاؤها أشبه بالميت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبها الله إسحاق حياً خلال هذه الأحشاء الميتة، فما ناله إبراهيم من وعد كان على خلاف الرجاء، إذ لم ينظر قط إنساناً قبله نال ابناً بهذه الطريقة وإنما صار هُو مثلاً لمن جاء بعده، وهُو ترجى الله الذي يُقيم من المُوت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يُعطيه نسلاً كما من العدم، فاتحاً باب الرجاء لمَن جاء بعده ممن أنجبُوا في شيخُوختهُم خلال زُوجات عاقرات..

   ثانياً: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبُوة ليس فقط لإسحاق الذي وهبه الله إياه في فترة شيخُوخته، وخلال مستُودع سارة الذي كان في حكم المُوت، وإنما أيضاً لأمم كثيرة هي بحسب الطبيعة ميتة، لا تحمل بنُوة لإبراهيم حسب الجسد، لكن الله يقيمها من هذا المُوت، ويقدمها لإبراهيم أبناء له.. 

   آمن بالوعد فنال، فكان الإيمان هُو سنده، ليتنا نتعلم أن الله يتمم مواعيده معنا مهما كانت العُوائق أو المعطلات والصعُوبات..

   ثالثاً: إن كانت الخطية قد أفقدت الإنسان حياته، وجعلته كمَن هُو غير مُوجُود، فبالإيمان ينعم الإنسان ببّر المسيح كمَن قد أقيم من المُوت، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فُوجد (لو32:15)، لقد كنت غير مُوجُود فخلقك الله ووهبك الوجُود، أفلا يهتم بك الآن وأنت هكذا، هذا الذي يدعُو الأشياء غير مُوجُودة كأنها مُوجُودة ؟!

   هل نتبرّر أمام الله بالإيمان أم بالأعمال؟ وما هُو المقصود من كلمات رسالة مُعلمنا يعقُوب الرسُول؟ وما المقصُود بكلمات بُولس الرسُول؟!

   الذي كتب الرسالتين هُو: الرُوح القُدس، لذلك ليس هُناك اختلاف في أقوال الله، رسالة رُومية كتبها بُولس عام 57 م، ويناقش فيها الذين وضعُوا أعمال النامُوس أساساً للميراث، والميراث ليس بالنامُوس لأن عندما تبرّر إبراهيم لم يكن النامُوس مُوجُوداً، فإبراهيم تبرّر بالإيمان، وليس بأعمال النامُوس، ومُعلمنا يعقُوب يُركز على الأعمال النابعة من الإيمان، فترى أن الإيمان عمل من أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، فآمن بالرّب فحسبه له برًّا، راجع (تك6:15؛ يع21:2) ألم يتبرّر إبراهيم أبُونا بالأعمال إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح؟! فهُو تبرّر بأعماله أمام الناس..

   ليس هناك تناقض، أو اختلاف بين الرسالتين، فإبراهيم تبرّر وظهر باراً أمام النّاس (تك22)، كما في رسالة يعقُوب الرسُول، وتبرّر أمام الله بإيمانه (تك15)، وفي رسالة رومية، ونحنُ قد تبرّرنا أمام الله مثل إبراهيم بالإيمان، وتبرّرنا مثله أيضاً أمام الناس بالأعمال الحسنة.. 

   + نلاحظ أن: تبرير إبراهيم بالإيمان قد سبق تبريره بالأعمال بسبعة إصحاحات (تك15- 22)، وبنحُو ثلاثين عاماً بحسب السنُوات، فهل لم يكن إبراهيم خلال هذه المدة مبرّراً من الله ؟!

   لقد أصبح مبرّراً حينما قال الله له: أنظر إلى السماء وعد النجُوم إن استطعت أن تعدها، وقال له هكذا يكُون نسلك، فآمن إبراهيم بالرّب فحسبه له برّاً، حين آمن بُوعد الله قبل أن يأتي إسحاق، وحمل في جسده علامة لا تُمحى تُعلن أنه تبرّر أمام الله، وهُو الأثر الذي تركه الختان في جسده، فهو آمن بالوعد قبل أن يقدم إسحاق ابنه على المذبح بنحُو ثلاثين عاماً..   فالتبرير أمام الله ليس إلا بالإيمان الحّي الذي يثمر أعمالاً، فهُو الإيمان العامل بالمحّبة، فترى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، فآمن إبراهيم بالله فحسب له بّراً ودعي خليل الله..

   + التبرير في رسالة رُومية، أي أن الإنسان يصير باراً في عيني الله، فلا يرى خطاياه، طُوبى للذين غُفرت آثامهُم وُسترت خطاياهُم، طُوبى للرجُل الذي لا يحسب له الرّب خطية، أما في رسالة يعقُوب الرسُول، فهي لا تحدثنا عن تبرير الخاطيء أمام الله، بل تبرير المُؤمن أمام الناس، لأن الناس لا يمكن أن يرُوا الإيمان لأنه بداخل القلب، لكنهُم يرُون الأعمال التي تبرّر الشخص وتظهره باراً في أعينهُم بأعماله الصالحة.. 

     أنت لك إيمان، وأنا لي أعمال، ارني (أنا) إيمانك بدُون أعمالك، وأنا أريك (أنت) بأعمالي إيماني فترى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، أي أنها حققت الهدف منه، وهُو تمجيد الله وليس تمجيد الذات، راجع الكتاب المقدُس (يع21:2-23)..  

   + هكذا من رسالة رُومية نعلم: أن الإنسان يتبرّر أمام الله، ويتحُول من مذنب إلى بار أمامه بالإيمان، ومن رسالة يعقُوب نتعلم أن: الإيمان الذي يبرّر الإنسان أمام الله، ليس هُو الإيمان الميت، أي مُجرد معرفة ذهنية مثل إيمان الشياطين (يع19:2)، والذي لا يصاحبه تُوبة، ولا تغير اتجاه الحياة، بل الإيمان العملي النابع من القلب، قلب تحُول عن خطاياه إلى الرّب، وهُو الإيمان الذي ينمُو ويثمر ويعمل، الإيمان العامل بالمحّبة، إيمان يظهر نفسه من خلال الحُب، وبأعمال المحّبة التي يعملها الإيمان الحيّ، نكُون مثل إبراهيم الذي تبرّر أمام الله والناس..

لأنكُم بالنعمة مُخلّصُون بالإيمان، وذلك ليس منكُم، هُو عطية الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحنُ عمله، مخلُوقين في المسيح يسُوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدّها لكي نسلك فيها (أف8:2-10)..

   إن نُوالنا الخلاص لم يكن بسبب أي أعمال قمنا بها، إنما هُو عطية وهبة الله المجانية لنا، ونحنُ الذين نلنا الخلاص، يجب أن نُمارس الأعمال الصالحة لأننا عمله، أي عملاً فنياً رائعاً، فهل تُدرك أنك عمل الله القدير الذي يتعرّف من خلاله الكثيرُون، على صانعه العظيم القدير القائل: إن لذّتي مع بني آدم، وهذا ما يحدث حين تسلك في الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدّها لكي نسلك فيها، (مت14:5؛ 1كو31:10).. 

افعلُوا كُل شيء لمجد الله، والرّب يقُول: فليُضيء نُوركم، أي أن الرُوح القُدس هُو الذي يُضيء من خلالنا، حينما نخضع له ولا نحزنه، فهي أعمال تشهد وتمجد الرّب، (يو26:15؛ أع8:1) وتكُونُون لي شهُوداً.. 

   + العمل في قيمته لا يساوي شيئاً، لكن الله ينظر إلى الأعمال في معنُوياتها، وليس في قيمتها، مثال الأرملة المسكينة التي ألقت فلسين في الخزانة، وقد مدحها الرّب يسُوع، لأن من إعُوازها ألقت كُل المعيشة التي لها (لو4:21) فهي علامة محّبة، وتضحية، وبذل، وعطاء، وهي قد تشبهت بالمسيح، والمحّبة لا تقدر بثمن، وثمنها عمل إيماني..