بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أن يحفظ هُؤلاء الثلاثة: النفس والجسد والرُوح، إلى مجيء الرّب، فقد أدرك الحاجة إلى إعادة تكامل الإنسان، الأمر الذي يتحقق في الحياة العتيدة فيتم اتحاد الثلاثة معاً ليرثُوا معاً خلاصاً واحداً بعينه..
 
الحياة المُقدسة ليست هدفاً لصلاة الرسُول فحسب، وإنما غاية  دعُوة الله نفسه لنا، لذلك يُقدم كُل إمكانياته الإلهية لتحقيق دعُوته لنا، إذ يقُول: أمينٌ هُو الذي يدعُوكُم الذي سيفعل أيضاً..
 
تطلع إلى إتضاعه، فهذه القداسة لا تتحقق لهُم بسبب صلاته عنهُم، وإنما بسبب دعُوة الله لهم، لقد دعاهم للخلاص، وهُو صادق فسيخلصهُم بالتأكيد لأن هذه هي إرادته (مت37:23؛ 1تي4:2؛ رؤ20:3)..
 
الله الذي يُريد أن جميع الناس يخلصُون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلُون..
 
أن جهاد الراعي الحكيم لا في القدرة على البلاغة، إنما على دخُوله وسط أولاده الرُوحيين كواحد منهُم فتلتحم كلماته الكرازية بتقديم نفسه باذلاً كُل حياته من أجلهُم، وإن كان الله قد أعلن رعايته لأولاده بالحُب خلال الكرازة بالصليب، فإن هذه الكرازة يكُون لها فاعليتها حينما تلتحم برعاية الكارز أيضاً لهُم في الله، مقدماً نفسه لخدمتهُم في الرّب.. 
 
عمل إيمانهُم، تعب محبتهُم، صبر رجائهُم، هذه الأمُور الثلاثة تُمثل وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحقّ يدفع المُؤمن للعمل لحساب الملكُوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحُب لله والناس، فيشتهي المُؤمن أن يحمل صبر المسيح الذي من أجل السرُور المُوضُوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي..
 
حقاً أنه تأتي الأبدية فيزول الإيمان، إذ نرى الله وجهاً لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كنا نترجاه ونأخذ الميراث، لكن تبقى المحبّة التي لا تسقط أبداً، هذه المحّبة التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء، وفي بقاء الحب الأبدي تكريم للإيمان وتتويج للرجاء، لذلك يثبُت الإيمان والرجاء والمحّبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبّة..
 
وكما أن الثلاثة فتية في النار تمتعُوا بالندى، هكذا أنتُم تنتعشُون في الضيقات، ليس من طبيعة النار أن تمطر ندى، هكذا ليس من طبيعة الضيق أن ينتج فرحاً، لكن الرُوح يُلطف الألم من أجل المسيح..
 
ليس شيء أكثر اتساعاً من قلب الرسُول الذي أحب كُل المُؤمنين بكُل غيرة، ولم تكن محبته جزئية، بل كان يُقدمها بكمالها لكُل أحد، فكان قلب معلمنا بولس يحتضن العالم كُله، متشبهاً بسيده.. 
 
حقاً إن المُؤمنين مُحتاجُون أن يرُوا رعاتهُم في وسطهُم يسلكُون معهُم برُوح البساطة والوداعة بعيداً عن رُوح السلطة والنفُوذ !!
ونحنُ نرى بُولس كحامل لسمات المسيح، الذي صار جنيناً في أحشاء العذراء مريم ليشارك الأجناء حياتهُم، وصار رضيعاً ليفرح به الرضع، ويقبلُوا صداقته فتنطلق ألسنتهُم الرُوحية بالتسبيح، وصار طفلاً ليرفع من شأن الطفُولة جاذباً إليه الأطفال كأصدقاء له..
 
هكذا إذ يرى معلمنا بُولس مخدُوميه كرضع يحتاجُون إلى حنُو الأم المُرضعة، لا يتقدم لهم فقط بهذا الفكر لكي يحتضنهُم ويقُوتهُم، وإنما صار كرضيع بينهم ليستريحُوا إليه (1تس7:2)..
 
إنها المحّبة التي تجعلهُم بلا لوم، إن كان غاية إيماننا هي الحياة المُقدسة في الرّب التي بدُونها لا نقدر أن نُعاين الرّب، ولا أن نُوجد فيه ومعه، لأن هذه الحياة عمادها وقوامها المحّبة، فإن كانت الحياة المُقدسة هي تمتع بالله والشركة معه وممارسة حياته فينا، لأن الله ذاته المحّبة، وفي مجيئه العظيم يعتز بسمة الحُب التي لأولاده، فيدعُوهُم للملكُوت المعد لهُم منذ إنشاء العالم من أجل المحبّة التي أظهرُوها في صغاره، بينما يحرم الأشرار من الملكُوت لأنهُم لم يحملُوا سمة الحُب، ولم يتشبهُوا بسيدهُم.. 
 
فالمسيحية في حقيقتها ليست مُجرد عظات وصلُوات وابتهالات، بل هي أحشاء ورأفة وحنان تفرح في سكب العطف واللطف على القلُوب المُتضايقة المغمُومة الحزينة، وتستر كثرةً من الخطايا..
 
 بعد أن صلى من أجلهُم طالبهُم بالصلاة من أجله، مُقدماً نفسه مثالاً حياً للخادم الحيّ الذي يعرف رسالته وغايته وهدفه، فعمله الرئيسي هُو الصلاة عن الآخرين، كقُول النبيّ صمُوئيل: وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرّب، فأكف عن الصلاة من أجلكُم، بل أعلمكُم الطريق الصالح المستقيم وفي نفس الوقت يطلب صلُوات شعبه من أجله، مدركاً حاجته إلى مساندتهُم خلال الصلاة، راجع الكتاب (1صم23:12)..
 
هكذا يلتهب في قلب الرسُول بُولس نار الحُب الرُوحي، وأخيراً يختم بطلب نعمة رّبنا يسُوع المسيح تسندهُم في ضيقتهُم وشدائدهُم ليعيشُوا الحياة الفاضلة، وتحقق إرادة الله فيهُم..
 
إذ لنا رجاء في محّبة الله مُنتظرين الأبدية، يلزمنا ألاّ نيأس من جهة الآخرين بل نترفق بهُم، وهذا الترفق يكُون بتمييز وحكمة، فالبعض يحتاج إلى اللين في معاملته، والآخر نترفق به خلال التأديب والحزم معه حتى يرتدع، وذلك كقُول الآباء القديسين في معاملاتهُم:
يقُول القديس أغريغُوريُوس: لتكُن المحبّة ولكن بدُون رخاوة، ولتكُن القسُوة ولكن بدُون شدة، والشفقة غير مغالٍ في التسامح.. 
 
ويقُول القديس امبرُوسيُوس: يجب أن تكُون هُناك معايير لتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد، أو القسوة المغالي فيها.. 
 
ويقُول القديس يُوحنا الدرجي: مَن يرعى الخراف لا ينبغي أن يكُون أسداً ولا نعجة، فلا تكُن جامداً فتنكسر، ولا ليناً فتعصر..
 
إن عيني لا تفارقانك، ذلك كالفخاري الذي لا يُحوّل عينيه عن الآنية التي في داخل الفرن حتى لا تحترق، وكالأب الذي يترك كُل عمله لكي يلازم ابنه المُتألم ساعة آلامه وضيقته، هُو يعرف درجة الحرارة التي تناسبه، فلا يسمح إلا بالقدر الذي يناسبه لأجل خلاصه وبنيانه، والرّب يعلم ما يحدث لأولاده حتى لو صارُوا في أشد حالات الفقر..
 
مثال: سفينة تحطمت في البحر، وكُل مَن فيها غرقُوا، ما عدا ثلاثة قد نجُوا، وتمسك كُل منهُم بلوح من الخشب، تجرفه الأمُواج فيعلُو ويهبط معها ويكاد يغرق، وهُناك قارب النجاة قادم من بعيد، يقُول لهُؤلاء الناجين: لا تيأسُوا، ولا تستسلمُوا للغرق، تمسكُوا بما عندكُم إلى أن أجيء، بينما صُوت قارب النجاة يُشجعه: اصبر قليلاً احتمل إلى أن أجيء، آه يارّب تعال ولا تُبطيء فالذين يحزنُوني يتهللّون إن أنا سقطت، فيجيب الرّب: لا تخف تكفيك نعمتي، ها أنا آتي سريعاً (رؤ20:22)..
 
كبذرة نزلت على أرض جيدة، فبدأت تتفتح وتمد جذُورها إلى العمق، وترفع جذعها إلى فُوق وتنتشر فيها الحياة، مثال الغني الذي سمع الكلمة من فم المسيح، ومضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة، بينما الأنبا أنطُونيُوس كانت له أذن للسمع، فسمع الكلمة في الكنيسة، وذهب ونفذها في الحال وباع كُل ماله، الكتبة والفريسيُون سمعُوا كلاما من المسيح ولم يقبلُوه بل كانُوا يجادلُونه رافضين ما يقُول، ولم تكن لهُم آذان للسمع..
 
هكذا يُقدم أربعة تشبيهات لعمل المسيح في حياة مُؤمنيه:
خلال هذه التشبيهات يرانا أشبه بإنسان مسافر يجد في المسيح كُل شيء، متى هبت عليه العواصف العنيفة، وجد فيه الملجأ الأمين، وإن لحقته سيُول جارفة يجده غطاءً واقياً، وإن عانى من الظمأ، يصير له الرّب أنهار مياه حّية، وإن هاج العالم كُله يستظل فيه كصخرة صلدة قُوية قادرة أن تخفيه وتحميه من الموت، بمعنى أن الله المُخلّص يُقدم ذاته كُل شيء لمُؤمنيه، فتقُول: الرّب راعيّ فلا يعُوزُني شيءٌ (مز23)..