بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقوم على جهلهُم بعمل الله في حياة المُؤمن، فطلبُوا برّ أنفُسهُم لا برّ الله، وصار ذلك عائقاً عن خلاصهُم..
وعلى جهلهُم بغاية النامُوس وأحكامه، فتمسكُوا بالحرف القاتل دُون الرُوح الذي يحيي، راجع الكتاب (إش6:64)..
فالرسُول يحاول أن يُعطيهُم عذراً وهُو جهلهُم برّ الله، لكنه يحّول العذر إلى اتهام ضدهُم يقُوم على كبريائهُم واعتداءهُم وافتخارهُم بالذات (برّ أنفُسهُم)، وجهلهُم لا يقُوم على ظرُوف خارجية قهرية، وإنما على فساد داخلي يّدب في النفس، فيطلبُون برّ أنفُسهُم عُوضاً عن أتساع قلُوبهم بالحُب لتقبل نعمة الله واهبة البرّ بالإيمان، قد صرنا كُلنا كنجس، وكثوب عّدة كُل أعمال برنا، وقد ذبلنا كُورقة، وآثامنا كريح تحملنا (إش6:64)..
يقول إشعياء: كُل مَن يُؤمن به لا يُخزى (إش16:28)، ليُؤكد أمرين:
أن بأعمال النامُوس يمكن للإنسان أن يخزى، ويعجز عن التمتع بالبرّ، أما الإيمان الحيّ العامل بالمحّبة (غل6:5) فلن يخزى..
أنه لم يحدد فئة معينة لنُوال الخلاص، فقال: كُل مَن يُؤمن به، مُؤكداً عمُومية الخلاص، بلا أي تمييز بين يهُودي وأممي..
وهكذا لا يتُوقف الرسُول عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم لأن الله هُو رّب الكُل (يؤ28:2-30؛ أع21:2)..
يؤنبهُم بعد ذلك بسبب تجاهلهُم الدُور الرئيسي الذي كان يجب أن يقُومُوا به كشعب الله المُختار، وهُو الكرازة بالمسّيا الذي شهد له العهد القديم برمُوزه ونبُواته، فكان يليق بهُم عُوض الدخُول في مناقشات غبية بكبرياء ضد الأمم، أن يكُونُوا هُم الكارزين لهم بالإيمان والخلاص وهذا ما قصده بقُوله: فكيف يدعُون بمن لم يُؤمنُوا به؟! وكيف يُؤمنُون بمن لم يسمعُوا به ؟! وكيف يسمعُون بلا كارز؟! وكيف يكرزُون إن لم يرسلُوا؟! ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات (14-16)..
يُجردهُم هنا من كُل عذر، فبعدما قال: إن لهم غيرة لله، لكن ليس حسب المعرفة، بدأ عن طريق الأسئلة يُوضح لهم أنه كان يجب أن يكُونُوا أول المُؤمنين بالسيد المسيح، لأنه قد أُرسل لهُم الأنبياء ككارزين به خلال النبُوات، لكنهُم سدُوا آذانهُم ولم يسمعُوا ورفضُوا الإيمان، فإن كان الخلاص يتطلب الدعُوة باسم الرّب (أع12:4؛ رو13:10)..
لأن كُل مَن يدعُو باسم الرّب يخلص، فالدعُوة باسمه تستلزم الإيمان به والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقق إلا بالكارزين، والكارزُون لا يبشرُوا ما لم يُرسلُوا، وقد أرسل لهم الرّب الكارزُون فعلاً، وكرزُوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة، راجع الكتاب (إش7:53)..
وإشعياء يقُول: ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات، ومع هذا فقد رفض اليهُود الإيمان، والخلاص فهُم بلا عذر، لأنه كان يليق بهم أن يسبقُوا الأمم في قبُول الإيمان بالمسّيا المُخلص ليقُومُوا هُم بدُور الكارزين، مكملين رسالة أنبيائهم، عُوض مقاومتهم للإيمان، وهكذا يظهر أن دينُونتهُم مضاعفة، راجع (مز19؛ إش53)..
لقد تنبأ إشعياء النبيّ برفض اليهُود الإيمان بالمُخلّص فيقُول: يارّب مَن صدق خبرنا ؟! إذا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقُول: ألّعلهُم لم يسمعُوا ؟! إلى جميع الأرض خرج صُوتهُم وإلى أقاصي المسكُونة أقُوالهم، مَن صدّق خبرنا ؟ ولمَن إستُعلنت ذراع الرّب؟
قدم الخبر ليُؤمنُوا بالإنجيل، لكنهُم لم يسمعُوا مع أن الأمم الذين من أقاصي المسكُونة سمعُوا وآمنُوا، وهكذا صارُوا شهُوداً على اليهُود..
أقتبس جزءً من المزمُور(19) حيثُ يقُول المُرتل: السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه، يُوم إلى يُوم يذيع كلاماً وليل إلى ليل يبدى علماً، لا قُول ولا كلام لا يسمع صُوتهم، في كُل الأرض خرج منطقهم وإلى أقاصي المسكُونة كلماتهم...الخ، وفيه يُعلن أن الشهادة عن الله عامة، والكرازة بأعماله مقدمة لكُل البشرية خلال الطبيعة، فالسماوات والفلك تحدث بمجد الله، وخلال كرازة الكارزين التي تبلغ أقصى المسكُونة، وكأن المُرتل قد شاهد برُوح النبُوة خدمة التلاميذ والرُسل التي اتسعت لتضُم الشعُوب، والقبائل، والأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها..
وفي نهاية الإصحاح العاشر: يُعلن الرسُول عن سّر جحُود اليهُود وعدم إدراكهُم غاية النامُوس، ورفضهُم الإيمان البسيط القريب إليهم وضيق قلبهُم الذي لا يقبل حب الله الجامع لكُل البشرية، ونسيانهُم رسالتهُم ككارزين بالمسيح (المسيّا) المُخلّص للعالم، فيقدم لهم شهادة أعظم تبين قساوة قلُوبهم وجحُودهم، فيشهد بأقوال مُوسى وإشعياء، قال مُوسى: أنا أغيركم بما ليس أمة، بأمة غبية أُغيظكُم (تث12:32)، وقال إشعياء: وجدت من الذين لم يطلبُوني، وصرت ظاهراً للذين لم يسألُوا عني (إش1:65)، ويلاحظ في هذه العبارات المُقتبسة من أقُوال مُوسى وإشعياء النبيين الآتي:
أولاً: يتساءل الرسُول: ألعل إسرائيل لم يسمع؟! هل سمع إسرائيل ولم يفهم؟! فإن كان الأمم الوثنيُون سمعُوا وأدركُوا الإيمان، فكم بالحريّ يليق باليهُود، شعب الله المُختار الذين أعطاهم المُواعيد، والنامُوس والشريعة وجاء منهم المسيح حسب الجسد، كُل هذه المُواعيد التي تستهدف إزالة الغشاوة عن عيُونهم، والبرقع عن أذهانهُم (2كو14:3- 18)..
ثانياً: وقد أقتبس: هُم أغارُوني بما ليس إلهاً، أغاظُوني بأباطيلهم، فأنا أغيرُهُم بما ليس شعباً، بأمة غبيةٍ أغيظهُم (تث21:32)، وكأن الله قبل الأمم الوثنية كشعب له خلال الإيمان، ليثير أيضاً مشاعر اليهُود لعلهم يعُودُون ويرجعُون عن جحُودهُم، ويتُوبُون إلى الله، وهكذا لم يغلق الرّب الباب في وجه أحد، بل فتح باب الخلاص للجميع (إش2:65)..
طول النهار بسطت يدي إلى شعب مُعاند ومقاوم، وهي إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرّب يداه خلال نداء الأنبياء المُستمر لهُم، وإعلانه حبه لهم رغم عنادهُم ومقاومتهُم وقساوة قلوبهُم..
فهُو أب يبسط يداه نحُو شعبه، كما مثل طفله الصغير، الذي يرفض أحضان أبيه المتسعة له بالحُب والحنان، وفي سفر إشعياء إشارة بليغة إلى الصليب، حيثُ بسط الرب يداه عند موته، لكي ما يحتضن ويحتوي الجميع، لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كُل مَن يُؤمن به، بل تكُون له الحياة الأبدية، لأنه لم يُرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلُص به العالُم (يو16:3-18)..
حقاً شيء لا يُصدق أن الله الغالي يفدي الإنسان الرخيص، والابن الوحيد جاء لكي يخبرنا أن الله قدم ابنه لفداء البشرية وخلاص العالم، فمن يصدق؟!
يقُول إشعياء النبيّ: وُجدت من الذين لم يطلبُوني، وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عني، أما من جهة إسرائيل فيقُول: طول النهار بسطت يدي إلى شعب معاند ومقاوم، هل الله ترك شعبه وتخلى عنه؟!!





