بقلم الأب يسطس الأورشليمى
 برّ الله يعنى البرّ الذي يهبه الله للإنسان فيجعله باراً بالله، الله وحده هُو البار، والذي يبرر الإنسان، فاليهُود يظنُون بأن الصلاح هُو من عندهُم، لا من عطية الله الإلهية، وبهذا لم يخضعُوا لبرّ الله، لأنهُم متكبرُون ويحسبُون أنهُم قادرُون على إرضاء الله بذُواتهُم..
 
إن كانت الذات الأنا قد حجبت عنهُم الالتقاء مع الله بعمله فيهُم فصار برّهم الذاتي المزعُوم عائقاً عن تمتعهُم ببرّ الله، فإن تمسكهُم بحرفية النامُوس، أفقدهُم غاية النامُوس وهُو الالتقاء بالمُخلّص المسيّا..
 
قال: تحفظُون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها الإنسان يحيا بها فالإنسان لا يمكن أن يحيا، ولا أن يتبرر ما لم يتمم كُل الفرائض وأحكام النامُوس، وهذا الأمر يعتبر مستحيلاً، فإن أراد اليهُود أن يتبرّرُوا بالنامُوس عينه، يُعلن عن العجز والفشل التام لكُل إنسان أن يحقق البرّ والحياة، وهُو بهذا يدفعنا إلى الإيمان برّبنا يسُوع الذي وحده غير كاسر للنامُوس، بل وقادر على تبرير مُؤمنيه بقُوله: مَن منكُم يبكتني على خطية؟!
 
  والرّب يقُول لهُم: فتشُوا الكتب لأنكُم تظنُون أن لكُم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي، راجع ( يو39:5، 46:8)..
 
 إن كان اليهُود قد عجزُوا عن تحقيق البرّ بالنامُوس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكُون حالنا نحن أمام الوصايا الإنجيلية وهي أصعب بكثير من وصايا النامُوس؟! لذلك أسرع الرسُول لكي يُوضح لنا الإمكانيات الجديدة، والتي صارت لنا من خلال السيد المسيح وهي:
(1) أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منا للغاية أكثر مما نتصُور..
 
(2) أن الآب أقام المسيح ليهبنا قُوة القيامة العاملة فينا برُوحه القدُوس..
   بهذا لم يحطم مُعلمنا بُولس الرسُول الأعذار اليهُودية فحسب، وإنما فتح لنا باب الخلاص (الإيمان) لكي نعيشه بكُونه سهل المنال والوصُول إليه، خلال الحياة المُقامة لنا في المسيح يسُوع رّبنا..
 
 لقد أقتبس بُولس الرسُول عبارات لمُوسى النبي بقُوله: إن هذه الوصية أوصيك بها اليُوم ليست عسرة عليك ولا بعيدة منك، ليست هي في السماء حتى تقُول مَن يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إياها لنعمل بها (تث11:30)، فمُوسى النبي يُحدث شعبه عن الوصية الإلهية، كيف أنها صارت بين أيديهُم ليست ببعيدة عنهُم، إنما صارت في وسطهُم تبكتهُم وتحثهُم على الرجُوع إلى الله، فإن كان هذا ينطبق على كلمة الله (الشريعة) فبالحري تنطبق على كلمة الله المُتجسد الذي صار إنساناً وحّل بيننا، فلم يعد غريباً عنا ولا ببعيد عن حياتنا، بل هُو قريب إلينا يسكن فينا ويحّل برُوحه في داخلنا، لنحيا به في كلمتنا، ونعيش فيه بتصرفاتنا، وكُل مشاعرنا، وأحاسيسنا، لأننا به نحيا ونتحرك ونُوجد، راجع (أع28:17).. 
 
 ففي العهد القديم كان اليهود يعتزون بأنهُم شعب الله المُختار الذي تسّلم الشريعة الإلهية بواسطة مُوسى بيد الملائكة، فكيف ننجُو نحنُ إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟! أما الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه مُتجسداً، يهبنا ذاته ويجعلنا فيه أبناء الله، في مياه المعمُودية المُقدسة بالرُوح القُدس فإن كان برّ النامُوس صعباً، بل مستحيلاً تحقيقه.. 
 
    فقد جاء السيد المسيح لا ليقدم وصايا سهلة فقط، وإنما قدم ذاته قريباً من مُؤمنيه، بل ساكناً فيهُم بالرُوح القُدس، لا لكي يتممُوا أعمال النامُوس، إنما به يزيد بّرهُم عن الكتبة والفريسيين كقُوله: إن لم يزد بّركُم عن الكتبة والفريسيين لن تدخلُوا ملكُوت السماوات (مت20:5)..
 
إن اعترفت بفمك بالرّب يسُوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت، لأن القلب يؤمن به للبرّ، والفم يعترف به للخلاص (10).. 
أي اشتراك الفم مع القلب في الإيمان، والقلب يُشير هُنا إلى الإنسان الداخلي، والفم يُشير إلى الحياة الظاهرة (السلوك)، وإيماننا في جوهره وعمقه، هُو لقاء النفس الداخلية مع عريسها السماوي، لكن دُون تجاهل الجسد بكُل أعضائه، راجع (1كو15:6-20)، وبدُون القلب يصير اعترافنا الظاهري تعصباً، وشكليات، ومظهريات، وبدُون الحياة العاملة في داخلنا والاعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة، كُل مَن يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السماوات، ليتنا نُؤمن برّبنا بكُل قلُوبنا، فيملك عليها كرّب وسيد ويُخلّص أعماقنا من كُل ظُلمة، متجاوبين مع مُخلّصنا بحياتنا المُقدسة فيه، فنعترف به بشفاهنا، فالكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها، فما هُو مفتاح السّر في ذلك؟! قُوله: إن اعترفت بفمك بالرّب يسُوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأمُوات خلصت..  
 
   الرّب يسُوع جاء ليحمل خطيتك ونزل إلى الهاوية بسببها، ثم قام وأنتصر على الخطية والمُوت، وبذلك نلت الخلاص، لأن دم يسُوع المسيح ابنه يطهر من كُل خطية (1يو7:1؛ رؤ14:7) هُؤلاء هُم الذين أتُوا من الضيقة العظيمة وقد غسلُوا ثيابهم وبيضُوها في دم الخرُوف.. 
 
 الخلاص ليس صعب، بل هُو قريب منك، لذلك يقُول المُرتل: إلي جميع الأرض خرج صُوتهُم وإلى أقاصي المسكُونة أقُوالهم، ونحنُ نقُول في قطع الساعة السادسة: صنعت خلاصاً في وسط الأرض كُلها، أيها المسيح إلهنا، عندما بسطت يديك الطاهرتين على عُود الصليب، فكيف تقُول: أحبك يا الله، وقلبك مبتعداً عنه؟! يقول الرّب: لا أترككُم يتامى، فلماذا تعيش حزين ومكتئب القلب؟! وتكُونُون مُبغضين من الجميع من أجل أسمى، ولكن الذي يصبر إلى المنتهي فهذا يخلُص، ها أنا معكم كُل الأيام إلى انقضاء الدهر (يو18:14)، لا أترككُم يتامى، إني آتي إليكم..
 يقُول الرّب لنا دائماً: هل أعُوزتكم شيئاً؟!
 
   لأن القلب يُؤمن به للبر(العدل)، والفم يُعترف به للخلاص، فتقُول: 
ذُوقُوا وانظرُوا ما أطيب الرّب (مز33)، والذي يذُوق الخلاص يُنادي به للناس مثل السامرية التي جذبت أهل السامرة، وقالت لهُم: هلمُوا انظرُوا إنسان قال لي كُل ما فعلت، ألعل هذا هُو المسيح؟! فخرجُوا من المدينة وأتُوا إليه فآمن به من تلك المدينة كثيرُون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه: قال لي كُل ما فعلت (يو29:4).. 
 
   ومن شرُوط التناول في سّر الأفخارستيا نقُول: في كُل مرة تأكلُون من هذا الخبز، وتشربُون من هذه الكأس تبشرُون بمُوتي وتعترفُون بقيامتي، وتذكرُوني إلى أن أجيء، فالشرط في التناول هُو أن تَذوق وتذوّق الآخرين وتقُول: ذوقُوا وانظرُوا ما أطيب الرّب، وكُل مَن يؤمن به لا يُخزى.. 
    والاعتراف بالفم بربنا يسُوع المسيح لا يعني مُجرد شهادة الشفتين له وإنما تعني إبراز الحياة المُقدسة التي فيك، لا لمجد ذاتك بل لمجد الله..
عالمين أنكُم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب، بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح (1بط18:1)..