بقلم الأب يسطس الأورشليمى
احتفالات المسلمين بمناسبات دينية مسيحية وهى:
أحد السعف – أربعاء أيوب – خميس العهد- الجمعة العظيمة أو جمعة الفطير – سبت النور.
رغم عدم وجود مسيحيين بواحات الصحراء الغربية سوي أفراد قليلين ليسوا من أهل المنطقة وانما وفدوا للعمل من وادى النيل خاصة في مهنة الصناعة وكموظفين وذلك منذ زمن بعيد والى الان, الا أن أهل الواحات كانوا يحتفلون الى وقت قريب جدا ببعض المواسم الدينية المسيحية ومازالت بعض مظاهر الاحتفال موجودة الى الان.
فهل استمرت تلك الاحتفالات منذ أن كانت الواحات تدين بالمسيحية؟ أم أن بعض مظاهر هذه الاحتفالات صارت معتقدا في الوجدان الشعبى فاستمر الاحتفال بها على هذا الأساس دون الالتفات الى ما اذا كان هذا عيداً أو موسماً خاصاً بالمسيحين؟ على كل فهذا يؤكد وحدة الجذور بين المصريين مسلمين ومسيحيين. ومن الجدير بالذكر أن المسلمين في وادى النيل كانوا يحتفلون أيضا بتلك المناسبات وان تضاءل مظهر الاحتفال بها, فقد لحق بها ما لحق غيرها من مناسبات.
ويبدأ أسبوع الاحتفالات بالمواسم المسيحية بيوم الأحد وهو الأحد الذى يسبق عيد الفصح ويعرف عند المسيحيين بأحد الشعانين وهو أحد السعف وهو الاسم الذى يطلق عليه في واحات مصر كما كانوا يٍسمونه عيد النصارى.
أحد السعف, (أحد الشعانين) دخول السيد المسيح أورشليم ومظهر الاحتفال استقبال الناس له بسعف النخيل وأغصان الزيتون الأخضر
وهذا اليوم كان يرتبط في الواحات بأنواع معينة من المأكولات والممارسات التى تتم فكان يطهى فيه ورق العنب وتذبح الطيور ويوضع البصل الأخضر تحت الرأس أثناء النوم, كما كانوا يعلقون الشعار والبصل على الباب الخارجى, ولم يكن طهى ورق العنب بالذات في هذا اليوم شئ طبيعى أما باقى الممارسات فهي لأسباب اعتقادية.
أما يوم الثلاثاء فكانوا يسمونه بركة الدم كانت تجرى فيه عملية التشريط بالموسى في الوجه لإسالة الدماء وليس هناك عدد محدد لعدد الشرطات فذلك متروك حسب الرغبة وحسب الحالة, ولم يكن هناك شخص معين يجرى هذه العمليات, بل كان يجريها أى انسان قوى القلب رابط الجأش بالاضافة الى حلاق القرية.
وكانت عمليات التشريط هذه لاتجرى الا لمن تعدى عمره خمسة عشر عاما تقريبا أو بمعنى اخر تعدى مرحلة البلوغ للذكور والاناث والهدف من هذه العملية هو الاعتقاد بأن هذه المسألة تشفى الرأس اذا كان بها صداع كما تجعل الانسان يفيق بمعنى أنه يشعر بأنه كسلان وهذه العملية تجعله ينشط مرة أخرى.
الأربعاء (أربعاء أيوب), أما يوم الاربعاء فهو المشهور عند المصريين (برعرع أيوب) وهو نفس الاسم يسمى به هذا اليوم في الواحات, وقد استحم سيدنا أيوب الذى ابتلى بكافة الأمراض في ماء منقوع فية نبات الرعرع( ) فبرأ من مرضه, وحدث ذلك يوم الأربعاء فصار اسم هذا اليوم (رعرع أيوب) وتمثلاً بسيدنا أيوب يضع الأهالى الرعرع في الماء و يستحمون به في هذا اليوم حيث يعتقدون أن هذا يشفيهم من المرض ويقيهم منه, وفي قرية القصر يستحمون في العين ويدلكون أجسامهم بهذا النبات.
خميس العهد, ويوم الخميس اسموه خميس العدس وهو عند المسيحيين خميس العهد وهو اليوم الذى أجتمع فيه السيد المسيح مع تلاميذه وتناول معهم العشاء الربانى الأخير.
أما سبب شيوع تسمية العدس على هذا اليوم فيبدو أن ذلك راجع لطهى العدس في ذلك اليوم. ولم نعرف لماذا العدس بالذات- حيث يأكل بعضه ويرمى الباقى على الأرض والحوائط اعتقادا أن هذا يطرد الذباب ويمنعة. كما كانوا يضعون النيلة ليلة الخميس على الأبواب درءا للحسد.
فيكتب المقريزى عن خميس العهد "أنه يُعمل قبل الفصح بثلاثة أيام حيث يملأ النصارى الأوعية ماء (اللقان- طقس غسل الأرجل) ويقولون ان المسيح فعل هذا بتلاميذه في مثل هذا اليوم كى يعلمهم التواضع.
ويسمية العامه بمصر واعمالها خميس العدس لأن النصاري يطبخون فيه العدس المصفى, وخميس العدس يعتبر من المواسم العظيمة في مصر. ويتم تلوين وبيع البيض بكميات كبيرة فى هذا اليوم مما يجعل العبيد والصبيات يتقامرون به ويهادى النصارى المسلمين بعضهم بعضا بالسمك والعدس المصفى والبيض ويدل هذا على حسن العلاقات بينهم
أما ابن الحاج ) (فلم يكن راضيا عن خروج النساء في ذلك اليوم للزحام الشديد واختلاطهم بالرجال, وأيضا المقامرة بالبيض وشراء السلاحف لزعمهم بانها تطرد الشيطان من البيت وكذلك ما يقومون به من التبخر بالبخور ثم تخطيته سبع مرات ثم تفاءلهم فيه وزعمهم أن هذا يصرف عنهم العيب والكسل والوعكة من الجسد.
يوم الجمعة (الجمعة الكبيرة أوجمعة الصلبوت أوجمعة الفطير) وكلها اسماء تطلق على هذا اليوم. ويذكر مصطفى فهمى أن عموم الأهالى تحتفل بموسم توارثوه عن أبائهم "القدماء" وهو يوم الجمعة الكبيرة للأقباط فيذبحون فيه الذبائح ويصنعون مبسوسة من الدقيق واضعين عليها سمن وبلح ويتحتم على كل شخص أن يأكل لحم كل حسب مقدرتة والفقراء يأكلون من صدقات الأغنياء.
ويذكرر الراوى أنهم كانوا يعرفون بموعد هذا اليوم من طائر (طيرة) اسمها طويرة الفطيرة لونها أصفر وأزرق وعندما يظهر هذا الطائر نعرف أن الجمعة القادمة هى الجمعة الكبيرة, والان تذبح الطيور في هذا اليوم ويسلق بيضتان لكل فرد و يعملون فطير نشابة و تلعب الأطفال بالجريد.
سبت النور. ويوم السبت كان يطلق عليه سبت النور, كان لابد من ان يتكحل الجميع بالكحل الأسود رجالاً ونساءً صغاراً و كباراً في صباح ذلك اليوم اعتقادا أن الذى يتكحل في هذا اليوم لا تصاب عينه بأى مرض طوال العام فضلاً عما يضيفه الكحل من جمال للعين.
"وسبت النور قبل الفصح بيوم ويقولون ان النور يظهر على قبر المسيح بكنيسة القيامة في القدس, فتشعل مصابيح الكنيسة كلها".
ويذكر ابن الحاج ما تفعله النصارى في ذلك اليوم ويشاركهم فيه المسلمين "فكانوا يجمعون ورق الشجر والريحان في الليلة السابقة لسبت النور ويوضع في المياه, وفي الصباح يغتسلون به معتقدين أن ذلك يذهب عنهم الأمراض والكسل والعين والسحر وغير ذلك, وفي صبيحة ذلك اليوم يكتحلون بالكحل الأسود ويقولون ان من اكتحل يكتسب نوراً زائداً في بصره.
ويتضح من الفقرات السابقة أنه مازال كثير من تلك الممارسات مستمرا الى الان, أيضا تناول كل من المؤرخ (المقريزى) ورجل الدين (ابن الحاج) لهذه الممارسات فالمؤرخ يرصدها ورجل الدين يجد أنها خارجة عن تعاليم الدين ويجب الاقلاع عنها.
وهناك كثير من الاعياد أو المناسبات الدينية غير ما سبق ذكره والتي كان المسلمون يشاركون فيها المسيحين وقد انعدم ذلك الان مثل عيد الغطاس, النيروز, الشهيد وغيرها.
ولكن ماذا بقى الان من تلك المظاهر في الواحات؟ لقد بقيت بعض المظاهر ولكنها خافتة تبدو على استحياء بمعنى أن قلة من الناس أصبحت تمارسها حتى أن كثير من الناس خاصة الصغار لا يعرفون شيئا عن هذا, واذا عرفوا، فكلام عام لا يفيد شيئا, وربما كان هناك بعض السلوك الذى فرغ من معناه ومضمونه ولكن البعض يمارسه.
في قرية بلاط: يذكر ان يوم الاثنين ويسمونه الشامة فكانوا يحضرون البصل ويضعونه تحت رؤوسهم في الليل وفي الصباح يأخذونه ويسلقون بيضاً ولابد من أن يكون عدد البيض فرديا واحدا أوثلاثة ولابد من أن تذبح الناس بعض الطيور كل ومقدرته.
الجمعة الكبيرة, كانوا يخبزون فطيرا وكعكا وأيضا يشتروا لحوما أويذبحوا. وكان الأولاد يخرجون الى الحقول وكل ولد ممسكا بجريدة حيث يلعبون ويعودون بعد فترة ليأخذوا غذاءهم و يتناولوه عند مقام الشيخ يونس.
سبت النور: في الصباح هذا اليوم كان لابد من احضار مياه العين وتُسكب أمام عتبة الأبواب جميعها. ولابد للجميع النساء والذكور والكبار والصغار من التكحل صباح ذلك اليوم وكان الفقى يكتب أوراقاً ويذهب إلى البيوت, ويعطى لكل واحد ورقة يبلعها بدون مياه, كان هناك اعتقادً بأن الذى لا يتكحل لن يرى.
والأمر الملفت أن مظاهر الاحتفال واحدة في تلك المناسبات في كل من القصر وباريس, بل اننا نجد أن كثيرا من مفردات الاحتفال باقية منذ بواكير العصر الاسلامى حتى الان مثل العدس, تكحيل العيون والعلاج بالمياه والنبات ولو إننا تعمقنا تاريخيا أكثر فربما وجدنا تلك المظاهر في العصور السابقة.
ومن هذا تجد أن أهل الواحات كانوا يحتفلون ببعض المناسبات الدينية الخاصة بالمسيحين رغم خلو المنطقة من المسيحين فضلا عن بعدها عن وادى النيل, وضعف الاتصالات بينهما. و كما سبق من العرض نجد أن هناك بعض الممارسات مازالت تؤدى ولكن بصورة فردية وليست جماعية كما كانت في السابق.
ويؤدى بنا هذا الى القول بأن الممارسات أو العادات تستمر طالما لم يكن هناك تأثير وافد وانعزال المنطقة النسبى يؤدى الى ثبات العادة رغم عدم وعى ممارسيها في أغلب الأحوال بأسباب الممارسة ولكن الأجيال قد توارثتها. كما يؤدى الى ثبات العادة وجود وظيفة لها, ومعتقد خلف ممارستها أى أن يكون وراءها منفعة ما. فعلى سبيل المثال – نبات الرعرع يشفى والكحل يقى العين والعدس يمنع الحشرات.





