عبد الرحيم على

ويمضي الأحبّة.. أبقى أفتّش في تفاصيلهم عن زهرتين، وأسطورة لرحيل جديد، وبيتٍ من الشعر لا يخطئ القلب فيه. كانت براءتنا مخبّأة في كتاب الحساب، عندما التقينا شبابًا نبحث عن الخير في قلوب الصبايا، وعن القمح في حقول الفلّاحين.

كنّا ثلاثة، حين انضمّ إلينا القادم من موسكو، شيوعيًّا يحمل شمعةً من كنيسة العذراء ليضيء دروب الفقراء والمهمَّشين.

سرنا معًا في طرقات المدينة، يحدونا الحلم بالغد القادم من شموس الطلاب والعمّال والفلاحين. تمدّدنا معًا على أرصفة المدينة الكبيرة التي ابتلعت أحلامنا خلسة، ونام هو في حضن القدّيسين. سرقتنا الحياة دهرًا، حتى لم نجد أنفسنا في أحزاب اليسار ولا اليمين، فانزوينا نبكي على حالنا، ونكتب للقادمين من أعماق الروح شعرًا.

على أرصفة القطارات المحمَّلة بالعابرين كتبنا قصصًا عن الفتنة الطائفية ومشعليها، وبين دروب قرانا القديمة ارتحنا قليلًا في قلوب الضعفاء، وارتوينا من قلل الأسطح العتيقة، حيث كانت أمي تفتل لنا من عجين القمح وردًا وشمسًا. كان إذا احتدّ النقاش، يأتي صوتها مهدّهدا من بعيد: تريَّثوا، فلن يبقى سواكم.

كتفًا بكتف زرعنا المدينة جيئة وذهابًا، فلم نجد شيئًا يذكّرنا بها عند المغيب.

كان يعرف أنني سوف أنساه في زحمة الحياة، كعادتي. فهمس في أذني قبل عام: ستتذكرني عندما تتذكرها.. في الرابع عشر من سبتمبر سأرحل.

هل كان نبيًّا يبحث عن ثوبٍ يستر عورته؟ أم أنه ألق الرحيل يأتي كرؤيا في المنام؟

لا شيء بيننا الآن.. تعادلنا في الحب: رحلت هي، ورحلت أنت، وبقيتُ أنا. لا شيء آخر يستحق العتاب

نقلا عن البوابة نيوز