بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الإيمان به: يعني حبنا له وتقديرنا لسمُوه، والذهاب إليه والإتحاد به..
الإيمان بالمسيح هُو أن تُؤمن به أنه يبرّر الخاطيء، تُؤمن بالشفيع الذي بدُون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله (لو10:19؛ يو5:15؛ 1يو1:2)، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسُوع المسيح البارّ، تتبرّر النفس بارتفاعها نحُو الله، والتصاقها بذاك الذي يبرّرها..
ألا يظهر لك متى وجد شيء ما بارداً، إذا اقترب من النار يصير دافئاً؟! وعندما يُنزع من النار يبرد، هكذا هي النفس، أما الله فليس هكذا!!
ماذا يعنى: أما الذي لا يعمل، ولكن يُؤمن بالذي يبرّر الفاجر، فإيمانه يُحسب له برّاً ؟ هل يحثنا على تجاهل الأعمال لنتبرّر بالإيمان؟!
الرسُول بُولس كان يحدث اليهُود الذين تكبرُوا وتشامخُوا على الأمم بأعمال النامُوس بطريقة حرفية قاتلة، فإن هذه لا تبرّر الإنسان، إنما لُو حُفظت بطريقة رُوحية تدفعهُم لإدراك الخلاص، والتبرير بالمسّيا الذي كانُوا ينتظرُونه، هذا من جانب، ومن جانب آخر:
فإننا كمسيحيين لا نتبرّر بأعمالنا الصالحة كأعمال من ذُواتنا، وإلاّ حسبت براً ذاتياً تعطل خلاصنا، إنما نُمارسها بكُونها ثمرة عمل الله فينا، ونحنُ عاملان مع الله (1كو9:3؛ في13:2)..
تمّمُوا خلاصكُم بخُوف ورعدة، لأن الله هُو العامل فيكُم أن تُريدُوا وأن تعملُوا من أجل المسرة، لهذا يُؤكد الرسُول يعقُوب قائلاً: لأنه كما أن الجسد بدُون رُوح ميت، هكذا الإيمان أيضاً بدُون أعمال ميت..
إذ قارن الرسُول بين أعمال النامُوس، والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليُعلن لنا سمُو الإيمان الذي به يتبرّر، دُون تجاهل لأعمال النامُوس التي مارسها إبراهيم، وإن كانت عاجزة عن التبرير..
والآن يُؤكد الربط بين الإيمان وأعمال النامُوس في حياة هذا الأب دُون تعارض قائلاً: أخذ علامة الختان ختماً لبرّ الإيمان الذي كان في الغرلة، فالختان هُو علامة جسدية جاءت لا معارضة للإيمان، بل خاتمة على إيمانه ومُؤكدة له، حتى كُل من يحملها إنما يلزم أن يلتزم أيضاً بالإيمان، وإن العلامة جاءت لاحقة للإيمان إذ آمن إبراهيم حين كان أولاً في الغرلة، وبقى مُؤمناً أيضاً وهُو في الختان بهذا أعلن أبُوته لأهل الغرلة إن قبلُوا الامتثال به في إيمانه، وأيضاً لأهل الختان إن فعلُوا ذات الأمر، ليكُون أباً لجميع الذين يُؤمنُون وهُم في الغرلة (رو1:4-13)..
ينتسب الأمميُون لإبراهيم لا بسبب غرلتهُم، وإنما لإقتدائهُم بإيمانه كذلك اليهُود لا ينتفعُون ببنُوتهُم له لكُونهُم مختُونين ما لم يُؤمنُوا، ظن اليهُود أنهُم ورثة إبراهيم في نُواله المُواعيد الإلهية لمُجرد ممارستهُم لأعمال النامُوس، مُتجاهلين التزامهُم بالاقتفاء بأبيهُم في إيمانه..
لأنه إن كان الذين من النامُوس هُم ورثة، فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد، فإن تمسك اليهُود بأعمال النامُوس كعلامة لميراثهُم ما لإبراهيم مكتفين بهذه الأعمال عند حرفيتها، يسلبُون الإيمان عمله ويفقدُون نُوالهُم الوعد الإلهي الذي أُعطى لإبراهيم أن بنسله تتبارك الأمم، على العكس إن كان أهل الغرلة لم يمارسُوا أعمال النامُوس في حرفيتها، لكنهُم بالإيمان صارُوا ورثة إبراهيم، وحُسبُوا أصحاب الوعد كأبناء له..
الاتكال على النامُوس يدخل الإنسان إلى غضب الله منه، لأنه وهُو يمارس الأعمال الظاهرة كالختان، والتطهيرات، والغسالات يكسر شرائعه السلُوكية، كالوصايا العشر، ويُخطيء الإنسان..
الغضب يظهر بالأكثر حيثُ يكشف النامُوس الخطايا، فيصبح الإنسان مُتعدياً الوصية، وملعُون كُل من لا يثبت في جميع ما هُو مكتُوب في كتاب النامُوس ليعمل به، وهكذا أضيف التعدي إلى الخطية، فكثرت الخطية جداً، لأن قبل النامُوس كان الإنسان خاطئاً، لكن بعد النامُوس صار مُتعدياً، ومع ذلك بالإيمان يتمتعُوا بالبنُوة لإبراهيم..
بدُون الإيمان لا يخلُص أحد، لأن النامُوس بالنسبة لأهل الختان لا يبرّره، بل يُنشىء غضباً إذ سقط الكُل تحت التعدي، لذا جاء الإيمان يرفعهُم من الخطر وليس كالنامُوس، ويرفع أهل الغرلة أيضاً، فيحسب الكُل أبناء لإبراهيم، أنى قد جعلتك أباً لأمم كثيرة، وحسب الوعد المُعطى له، فهُو ليس أباً للأمم حسب الجسد، إنما حسب الإيمان..
نحنُ نقُول في القداس الإلهي: لست أنت محتاجاً إلى عبُوديتي، بل أنا المحتاج إلى ربُوبيتك، والرّب يسُوع المسيح يُريد أن يرى صُورة التواضع، والمحّبة، والعطاء، والصبر، والابن شبيه بأبيه، وبناء عليه يوّرثك، الرُوح نفسه أيضاً يشهد لأرُواحنا أننا أولاد الله فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو16:8)..
الرسُول يلغي الاتكال على الأعمال التي تظن أنها تخلصك، وتوّرثك وإلا مات المسيح بلا سبب، إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحقّ فينا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسُوع المسيح البار، (1يو8:1)، هل تُؤمن بالشفيع الذي بدُون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؟! هل تُؤمن بالمُخلّص الذي جاء يطلب ويُخلّص ما قد هلك؟!
+ غاية وهدف الحديث الإلهي عن إيمان إبراهيم هُو: إعلان طريق البّر الحقيقي خلال الإيمان، فقد تبرّر إبراهيم بالإيمان لكي نتبرّر نحنُ أيضاً معه كأبناء له نحمل ذات إيمانه، لأننا نُؤمن بنفس الإله الذي آمن به إبراهيم ونثق في ذات الأمُور التي وثق وآمن بها، فما حدث لإبراهيم ليس خاصاً به وحده، وإنما يحدث مع الكُل، فآمن بالرّب فحسبه له بّراً..
+ إن كان إبراهيم قد نال وعداً بخصُوص نسله، يتحقق هذا الوعد فينا بصلب المسيح وقيامته، الذي هُو من نسل إبراهيم حسب الجسد، وهُو آمن بنيل بركة مستقبلة خلال نسله، إذ يقُول الرّب يسُوع: أبُوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يُومي، فرأى وفرح (يو56:8)..
+ إذ يحدثنا الرسُول عن إيمان إبراهيم، ويُقدم لنا مُلخصاً لإيماننا، ألا وهُو: أنه أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا..
هذه الآية: مفتاح الإصحاح الخامس، لقد أسلم للصليب بإرادة الآب وإرادته هُو (رو32:8؛ غل20:2؛أف2:5؛1تى14:2) ليكفر عن خطايانا، الذي لم يُشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا معه كُل شيء؟! فاسلكُوا في المحّبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا، قُرباناً وذبيحة لله رائحة طيبةً، وهكذا المسيح أيضاً، بعدما قُدم مرةً لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرُونه..
وكما قال الرسُول: أنتُم الذين به تُؤمنُون بالله الذي أقامه من الأمُوات وأعطاه مجداً، حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله، لأن كُل جسدٍ كعشب، وكُل مجد إنسان كزهر عُشب، العُشب يبس وزهره سقط..
(عب28:9؛ 1بط21:1)..





