القمص يوحنا نصيف
    أنا إنسان -أولاً وأخيرًا- أسعى لخلاص نفسي.. وأثق أن الله سيساعدني على تحقيق هذا الهدف، بل هو -من محبّته- يسعى قَبلي أيضًا، إذ أعدّ لي ملكوتًا (مت25: 34، لو22: 29)، ويُسعِده أن أَرِثَهُ (لو12: 32)!

    مهما مرّ بي في رحلة غربة هذا العالم من متاعب أو ضيقات أو أحزان أو مشاكل، أو أفراح أو تكريم أو مديح.. فهذا لن يغيِّر هدفي الثابت الذي هو السّعي من أجل خلاص نفسي..

    أينما كان موقعي أو درجتي أو إمكانيّاتي.. يهمّني أوّلاً وقبل كلّ شيء خلاص نفسي..

    ماذا أنتفعُ لو ربحت العالم كلّه وخسرت نفسي؟ (مت26:16).. فغاية إيماني هي خلاص نفسي (1بط9:1)..!

    إنّني أثق أن تدابير الله الخلاصيّة من أجلي ستقوِّم خطواتي في طريق الخلاص.. فبالأمور الحلوة والمُرّة، وبالمكسب والخسارة، وبالتكريم والإهانة، وبالتقدير والظُّلم.. وبكلّ نوع من الأحداث يسعى الله لتنقيتي وتهذيبي وإعدادي وتأهيلي للأبديّة.. هو يريدني عروسًا مقدّسة له وبلا عيب، يريدني أن أصلُح للمملكة (حز16).. وهو قادر على تحقيق ذلك إنْ تجاوبْتُ مع إرادته.. ومع إرشاداته وتعزياته وامتحاناته وتأديباته.. حتى وإن كان التأديب لا يُرَى في الحاضر أنّه للفرح بل للحزن (عب11:12) ولكنّه سيُثمِر في حياتي بِرًّا وخيرًا (رو28:8)..

    ربّما أهمّ ما يسندني لتحقيق خلاص نفسي، أربعة أمور:
1- الثبات في الكنيسة المقدّسة:

    فهي سفينة النجاة وميناء الخلاص، وهي المصنع الذي يُصَنِّع القدّيسين ويصدِّرهم للسماء، وهي المُذَّخَر فيها كنوز النعمة الإلهيّة المُغذية للنفس والمُشبِعة للروح، وهي المنارة التي تنير للسائرين في طريق الغُربة بتعاليمها النقيّة وأسرارها المُحيية وآبائها وقدّيسيها، هي الأم التي تَلِد باستمرار أبناءً لله..
    فثباتي في الكنيسة يقوِّي ثباتي في المسيح ويبني حياتي فيه!

    لا أستطيع أن أحيا حياةً حقيقيّة مع المسيح خارج شركة الكنيسة.. ولا خلاصَ لي بعيدًا عن الكنيسة!

2- التمسُّك بالوصيّة الإنجيليّة:
    وصيّة المحبّة، ووصيّة الطهارة، ووصيّة التسامُح والغُفران، ووصيّة الصلاة، ووصيّة السلوك في الحقّ والشهادة للحقّ.. وباقي الوصايا التي هي حياة أبديّة (يو50:12). فكما يقولّ المزمور: "لو لم تكُن شريعتك تلاوتي لهلكت حينئذ في مذلّتي" (مز92:119).

    الوصيّة هي سند ونور وعزاء لي في الطريق.. وكلّما كانت خطواتي مستندة على الوصيّة، تصير خطوات ثابتة وناجحة، وفي الاتجاه السليم نحو الملكوت.

    الوصيّة أساسيّة لخلاص نفسي، لأنّها تمدّني بروح الحكمة والإفراز؛ لذلك أنا أحبّها، وأفكِّر فيها باستمرار، وأحاول أن أدخل لعمق فهمها، وأطلب من الله قوة لتنفيذها دائمًا، لتتجلّى قوّتها في حياتي!

3- روح المثابرة:
    فخلاص نفسي يحتاج مِنِّي لمواصلة الجهاد بدون توقُّف، لكي أتمِّم خلاصي بخوفٍ ورِعدة (في12:2).. أحتاج لسياسة النَّفَس الطويل، واليقظة الدائمة.. ولو تعثّرتُ أصرخ مع ميخا النبي: "لا تشمتي بي يا عدوّتي. إذا سقطتُ أقوم. إذا جلستُ في الظُّلمة فالرب نورٌ لي" (مي8:7).
    أحتاج أيضًا لمواصَلَة المُتاجرة بوزناتي، ومواصلة السلوك بأمانة، ومواصلة المشاركة في بناء الملكوت والشّهادة له مهما كانت التحدّيات التي تواجهني.

4- التّحلِّي بالاتضاع:
    فهو الذي يكسر جميع فخاخ الشياطين،
    وهو الذي يجعلني دائمًا متّكلاً على الله وليس على ذاتي فأتقوّى بالنعمة (2تي2: 1)،
    وهو الذي يُثَبِّت فيّ روح التلمذة لآبائي،
    وهو الذي يجعلني دائمًا أحتمل جميع المشقّات بشُكرٍ،
    وهو الذي يحفظني من التفاخُر مهما نجحت واشتُهِرت،

    فكل شيء طيّب في حياتي هو نعمة من الله، وما أنا إلاّ إناء خزفي رخيص (2كو4: 7) شرّفني الله بوضع كنوز نعمته فيه، فصار له قيمة.. وبدون النعمة يعود مرّة أخرى ترابًا ورمادا!

    ياربي يسوع المسيح.. أعِنِّي على خلاص نفسي.. فليس لي شهوة أخرى في حياتي سِوى ذلك.

القمص يوحنا نصيف
أغسطس 2025م