كمال زاخر موسى
(هذه هي تتمة المقال الذي نشر بالأمس، وقد نشرت بجريدة الأهرام المسائي 4 يناير 2010)
مازال فى الجعبة حكايات ومازل الحلم ممتداً، حكايات من الماضى وحلم للمستقبل والخيط ممدود بينهما والهدف الإنسان هنا على الأرض حيث العيش المشترك وهنا فى مصر حيث الموروث الحضارى الممتد حتى إلى ما قبل التاريخ، قد لا يستشعره البعض وقد اغلقوا نوافذ المعرفة فراحوا يجترون مخزوناً شعبوياً متخم بالإستعلاء لا يرون فيه إلا انفسهم، وباتوا بحاجة الى نور المعرفة.
وعلى ذكر المعرفة عندى حكاية تقول بأن شاباً راهباً ذهب يوماً شاكياً إلى أبيه الروحى بأن الأفكار الشريرة تداهمه كل يوم وتفقده سلامه وعبثا حاول مقاومتها، نظر الأب اليه فى حنو وأعطاه نسخة من الكتاب المقدس وطلب إليه أن يقرأه جميعه، فرح الشاب وراح يلتهم صفحات الكتاب ظناً منه أنه وقع على حل سحرى، ولكنه وجد نفسه مازال على حاله، عاد الى ابيه فطلب اليه ثانية أن يعيد القراءة، فعل ما طٌلب منه، ولكن وضعه لم يتحسن كثيراً، ويكرر عودته لأبيه فيكرر له نصيحته بالقراءة، مرة ومرات، ويوماً قال له الأب دع الكتاب جانباً، ثم ناوله سلة مصنوعة من البوص وطلب منه أن يملأها ماءاً من بئر الدير، لم يستطع الراهب الشاب أن يعترض لكنه تعجب كيف يمكن لسلة مجدولة من بوص أن تحتفظ بماء، ألعل ملاكاً سيسد فتحاتها؟ ربما..!!، ربط السلة بحبل خشن وانزلها البئر واصعدها، لكن الماء كان ينساب منها عائداً الى البئر، وعبثاً كرر المحاولة، فعاد إلى أبيه، وراح يؤكد له أنه حاول ان يملأ السلة ماءً لكنه فشل، أجابه: بالطبع لن تمتلئ لكن الم تلحظ أن السلة تغيرت؟، نعم ياأبى لقد صارت نظيفة؟، أدرك الشاب المغزى، فالقراءة باعتبارها المدخل الأكبر للمعرفة لن تقدم للمرء حلاً لحظياً أو سحرياً لمتاعبه ومشاكله، لكنها فى تراكم حثيث تزيل اتربة الجهل، وتجلى العقل وتفتح أفاقاً للتواصل مع الإستنارة، لعل هذا بعض مما قصده ق. يوحنا بقوله " فى البدء كان اللوغوس (العقل ـ الكلمة) وكان الكلمة الله .. فيه كانت الحياة..
وقد يفسر لنا هذا لماذا يرتبط التعصب والإرهاب بالمجتمعات المنغلقة والمعادية للمعرفة والرافضة للإنفتاح على ثقافات ومعارف خارجها، وقد استراحت إلى أن هذا حماية للخصوصية ودرءاً لمؤامرة كونية تستهدفها، وهو طرح يدغدغ وجدان العامة ويجذر فيهم روح الإستعلاء، ليصبح الأخر هو الجحيم.
المعرفة تولد الإستنارة، والإستنارة تقودنا إلى قبول التعدد والإختلاف، ومنها تستقيم العلاقات البينية وتجد منظومة حقوق الإنسان مكاناً لا فى القوانين والدساتير وحسب بل فى الذهنية الشعبية، وفى المؤسسات، وعلى ضفافها تجد القيم الإنسانية مناخاً صحياً للإثمار، فتعود أجواء الألفة والمحبة والإيثار.
شئ من هذا لمسته فى طرح الراهب البرتغالى خوان أرياس، فى كتاب يصدمك عنوانه وتصالحك سطوره [لا أؤمن بهذا الإله] إذ تكتشف أنه يرفض العديد من تصورات الناس عن الله حتى كادت صورته عندهم تبدو على النقيض من الإله بحسب الأديان.اكتشفت فى بعض سطوره تشابكاً مع حلم الأب سابا ـ مطران الجولان للروم الأرثوذكس ـ الذى طرحناه قبلاً، لكنه هذه المرة يطرحه راهب يسوعى من الكنيسة الكاثوليكية، يقول فيها:
* الكنيسة التى أحبها تلك التى لا تقول: " عليك أن
تطيعنى", بل تقول:" علينا جميعـًا أن نطيع خالقنا"...
* ٩تلك التى تثق بأن المسيح هو الميناء وبأنها ليست إلا المنارة , وتقيم البرهـان عـلى ذلك...
* تلك التى تؤمن ان الروح اكثر حضـورًا فى إنسان يحب, منه فى سائر تنظيماتها...
* تلك التى, إذا شاهدت ضحل الإيمان عـند الناس وشعرت بأن الزورق يكاد يغـوص فى المياه, لا تمسك بالسوط, وتكتفى بأن تقـول:" لماذا تخافون؟", بل كما قال المسيح بكل الحب والحنان والتفهم والعـمل: [ تَشَجَّعُوا ! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا... يَا قَلِيلَ اَلإِيمَانِ لِمَاذَا شَكَكْتَ؟... وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ اَلرِّيحُ ]
* تلك التى تفضل أن تزرع الآمال عـلى أن تحصـد الدموع...
* تلك التى, إذا ما أخطأتُ, تساعدنى على الاهتداء إلى مستقيم السبيل, ولا تدفعنى إلى الخروج عـنها خروجـًا ما بعـده خروج...
* تلك التى تحسن إعطـائى " مجانـًا" ما أخذته " مجانـًا"...
تلك التى لا تفرض أحمالاً لاتستطيع هى حملها, مما تنوء به كواهل الفقراء...
* تلك التى تقـدم لى بسخاء كل غـناها الروحى, دون أن تفـرضه عـلىّ تحت طائلة العـقاب...
* تلك التى تصغـى بجدية وآمال معـقـودة إلى أصوات الفقراء والضعـفاء, أكـثر منها إلى أصوات الأغـنياء واصحاب السلطة, لأنها تعلم أن الفقراء أوفـر حرية وأقـل تورطـًا وأكـثر انفـتاحًا عـلى الإله الذى لا ينفـك يدعـو البشر...
* تلك التى دعوتها هى المدافعـة عـن كل حق إنسانى, وليست حماية للامتيازات, سواء كانت لها أو لسواها...
* تلك التى تخلّص وهى تبارك وتسامح وتعـذر, أكـثر منها وهى تعاقب...
* تلك التى تؤمن بالمسيح أكـثر منها بالبنوك والسياسة...
تلك التى تبتغى النصر لا عـن طـريق السلطة, بلّ عـن طريق القـوة العجيبة المقـدسة الكامنة داخلها وتحفظها...
تلك التى تمنح الذين يؤمنون بها والذين يناهضونها, على حد سواء, الحرية والثقـة...
* تلك التى يختار خدّامها الجماعة المسيحية بارشاد الروح القدس, لا الذين يمارسون الضغـوط...
* تلك التى تؤثـر لرعاتها صدقـًا يؤلم ولكنه يوقـظ, عـلى تبخـير يدغدغ ولكنـه يبعث عـلى الرقـاد...
* تلك التى تقبل مسرورة أن يزرع الله فى حقول غـير حقولها, ويحصد هناك ما قد يفوق الحصاد عـندها...
* تلك التى لا تقدّم لى إلهًا مثلجـًا جامـدًا, بل إلهـًا حيـًا, حاضـرًا, لا يزال يتكلم, إلهـًا نستطيع اكتشافه فى كل لحظة لأنه معين لا ينضب...
* تلك التى لا تخشى أن تخطئ من جـرّاء تمسكها الزائد بروح الإنجيل, بقدر ما تخشى الخطأ من جرّاء التشبث المفرط بسلطتها وصلاحيتها...
* تلك التى تكلمنى عن الله أكثر منها عن الشيطان, وعـن السماء أكثر منها عـن الجحيم, وعـن الجمال أكـثر منها عـن الخطيئة, وعـن الحـرية اكـثر منها عـن الطاعـة, وعـن الرجاء أكـثر منها عـن السلطة, وعـن المحبة أكـثر منها عـن الأبدية, وعـن المسيح أكـثر منها عـن ذاتها, وعـن العالم أكـثر منها عـن الملائكة, وعـن جوع الفقراء أكـثر منها عـن المساهمة مع الأغـنياء, وعـن الخـير أكـثر منها عـن الشرّ, وعمّا هو حـلال أكـثر منها عمّا هو حـرام, وعمّا هو لا يزال قابلاً للبحث والتنقيب أكـثر منها عمّا هو فى حـيّز العلم, وعـن اليوم أكـثر منها عـن البارحة...
* تلك التى لا تفـرض عـلىّ أن أتخلّى عـن شخصيتى لأكون مسيحيـًا, ولكنها تساعـدنى عـلى اكتشاف ما زرعـه الله فىّ من عجـائب وثروات...
* تلك التى كل همها ان تسعى إلى الأصالة لا العـدد, أن تكون بسيطة تفتح نوافـذها للنـور لا متسلطة, أن تكون مسكونية لا عقائدية جازمة, أن تكون قديسة لا أن تكسب تصفيق الجماهير, أن تكون للجميع لا أن تكون جامدة منعزلة...
* تلك التى تـنير ضمـيرى دون ان تحـلّ محـلّه...
* تلك التى هى أم اكـثر منها ملكة, ومحـامى أكـثر منها قاضٍ ديّـان, ومعلّم أكـثر منها شرطى...
* تلك التى تستطيع أن تكون رؤوفة بكل ضعف, وجبارة فى وجه كل رياء وخبث, ولا يمكنها ان ترمى بجواهرها للخنازير...
* تلك التى نارها مشتعلة أبدًا لمن يرتجفون بردًا, والتى خـبزها حاضر أبدًا لكل جائع, وبابها مفتوح, ونورها يضئ, وسريرها جاهـز للذين يسيرون تعـبين, باحثين عـن حقيقة وحب لم يُعط لهم بعـد العـثور عليهما...
ويبقى السؤال متى يتحقق الحلم ... الآن أم ننتظر أخرين؟!.