بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لقد رأى داود ابنته مريم من بعيد بعين النبوءة وأنها ستكون هي الملكة أم الملك، فأوصاها بروح النبوءة وبمحبة الأبوة قائلاً: " أسمعي يا ابنتي وأنظري وأميلي سمعك وأنسي شعبك وبيت أبيك فإن الملك قد اشتهى حسنك لأنه هو ربك وله تسجدين" (مز 45: 10 – 11).

وقال في نفس المزمور أيضًا جلست الملكة عن يمينك بذهب أوفير ( مز 45 : 9 ) لقد سماها " صهيون الأم "، فقال: "صهيون الأم تقول أن إنسانًا وإنسانًا وُلد فيها وهو العلي الذي أسسها، الرب يحدث في كتب الشعوب أن هذا وُلد هناك " ( مز 87 : 5 – 6).  

نال الملك داود عن طريق أبوته للقديسة مريم شرفًا وكرامة لم ينلها من ملكه ولا عظمته ولا جبروته، أصبح له شرف أن يكون جد المسيح بالجسد، وفي مزمور 45 هو من أروع المزامير، فهو يستدعي جلال وجمال الملك وملكته بأسلوب شعري ومجازي (استعاري)، فهو يمكن أن يُسمّى "قصيدة زفاف ملكية" لأنه يصور احتفالاً بهيجًا لزيجة ملكية، وكثيرًا ما يُستعمل هذا المزمور في الصلوات الطقسية لتكريم والدة الإله، كما تُستعمل ما فيه من صفات كألقاب للسيدة العذراء مثل "الملكة" و"ابنة الملك" و"مدينة إلهنا" و"الحمامة" و"الجبل المقدس". وأفضل مثال لذلك هو لحن الأوتار العشرة الذي يُقال في صوم السيدة العذراء وفي عيدها، وهذا هو نصه: " هذه العذراء نالت اليوم كرامةً، هذه العروس نالت اليوم مجدًا، هذه التحفة بأطراف موشاه بالذهب مزينة بأنواع كثيرة".

"داود حرك الوتر الأول من قيثارته صارخًا قائلاً: قامت الملكة عن يمينك أيها الملك".

"وحرك الوتر الثاني من قيثارته صارخًا قائلاً: اسمعي يا ابنتي وأنظري وأميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيك".

"وحرك الوتر الثالث من قيثارته صارخًا قائلاً: كل مجد ابنة الملك من داخل مشتملةً بأطراف موشاه بالذهب".

"وحرك الوتر الرابع من قيثارته صارخًا قائلاً: يدخلن إلى الملك عذارى خلفها".

"وحرك الوتر الخامس من قيثارته صارخًا قائلاً: عظيمٌ هو الرب ومسبَّح جدًا في مدينة إلهنا على جبله المقدس".

"وحرك الوتر السادس من قيثارته صارخًا قائلاً: أجنحة حمامة مغشاة بفضة ومنكباها بصفرة الذهب".

"وحرك الوتر السابع من قيثارته صارخًا قائلاً: جبل الله الجبل الدسم الجبل المجبّن الجبل الدسم".

"وحرك الوتر الثامن من قيثارته صارخًا قائلاً: أساساته في الجبال المقدسة أحب الرب أبواب صهيون".

"وحرك الوتر التاسع من قيثارته صارخًا قائلاً: تكلموا من أجلك بأعمال كريمة يا مدينة الله".

"وحرك الوتر العاشر من قيثارته صارخًا قائلاً: الرب اختار صهيون ورضيها مسكنًا له" … اشفعي فينا يا سيدتنا.

والشروحات الآبائية كثيرًا ما تربط بين الملك والملكة في هذا المزمور وبين المحب والمحبوبة في سفر النشيد، فمثلاً يُشير أوريجانوس إلى هذا المزمور في شرحه لسفر النشيد الذي يرى أنه قصيدة زفاف وضعها سليمان الحكيم بأسلوب درامي؛ حيث جعل الشخصيات الرئيسية هي العروس والعريس، و"أصدقاء العريس"، و"بنات أورشليم"، و"الحرس الطائف في المدينة". ويشخِّص أوريجانوس الملك في مزمور 45 بأنه هو المسيح العريس والملكة بأنها هي الكنيسة العروس.

كما أن أوريجانوس يربط ما جاء في سفر النشيد عن العروس بما جاء في مزمور 45 بقوله: "إنها اقتيدت إلى خدر الملك أدخلني الملك إلى حجاله" (نش1: 4)، وقد صارت ملكة: "جُعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير (أو حسب السبعينية: موشى بالذهب مزينةً بأنواع كثيرة)" (مز44: 9)، أما عن العذارى اللائي تبعنها فقد قيل: "يدخلن إلى الملك عذارى في إثرها، يبلغن بفرح وابتهاج، يدخلن إلى هيكل الملك" (مز44: 14و15 سبعينية).

والقديس ميثوديوس في شرحه لهذا المزمور يقول: "الملكة في هذا المزمور هي التي، إذ نالت الأسبقية على كثيرين، أخذت مكانها عن يمين الله، وهي التي اكتست بثوب موشّى بذهب الفضيلة، والتي اشتهى الملك حسنها، وهي ذلك الجسد المبارك غير الدنس (أي السيدة العذراء) الذي جاء به الكلمة الإلهي إلى السماء وجعله عن يمين الآب، وهو مزيَّن بثوب ذهبي، أي بمطالب الخلود الذي سماه المزمور مجازيًا "أطراف موشاه بالذهب". هنا نجد ثوبًا مطرزًا بمهارة ومنسوجًا بكل أنواع الأعمال الفاضلة مثل العفة والفطنة والإيمان والمحبة والصبر وجميع السجايا الصالحة الأخرى، وهذه كلها تكسو الإنسان بثوب من ذهب".

وتشير الملكة أيضًا إلى النفس البشرية. فينبغي علينا دائمًا عندما نتأمل في شخصية العذراء وعندما نطوبها بالتسابيح أن نطبق فضائلها على نفوسنا لنقتدي بها، بل يجب أن نعتبر أن روح كل منا عذراء مخصصة للرب الذي حلّ فيها على مثال العذراء، فقد قال أوريجانوس أيضًا: إننا نجد الجمال الحقيقي في المخلِّص، وأيضًا بجوده ورحمته امتد هذا الجمال إلى النفوس، "تقلّد سيفك على فخذك أيها القوي بجلالك وجمالك" (مز44: 3سبعينية). فلنتعلم من داود النبي أن هذا الجمال يمتد إلى النفس البشرية: "اسمعي يا ابنتي وأنظري وأميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيك فإن الملك (أي العريس)