بقلم الأب يسطس الأورشليمى
فقد أمر الرب موسى أن يخلع نعليه "لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خر3: 5). وقد رأى الآباء في ذلك ثمة حاجة إلى حياة نسكية للاقتراب من الله، فالحذاء الذي هو جلد ميت إذا قورن بالأقمصة الجلدية التي ألبس الرب آدم وحواء إياها بعد السقوط (تك3: 21)، يدلنا ذلك على أن الأشياء الأرضية ينبغي أن نضعها جانبًا لكي نقترب إلى الله، وفي التقاليد اليهودية والمسيحية عمومًا ترمز تعرية الأقدام للطهارة أمام الله الكلي الطهارة، وفي طقس المعمودية كان على الموعوظ أن يكون حافي القدمين لكي يرمز إلى عودته إلى النقاوة الأصلية.
"كما أن العليقة كانت ملتهبة ولا تحترق، كذلك أنت ولدت ولبثت عذراء"، " لأنك وأنت مختومة الطهارة ومصونة البتولية عرفت أمًا بدون ريب "، "ولقد سعت غير المحصور وغير المدرك سريا في أحشائك ".
يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نصيص: "هذا ما سبق موسى فرآه في النار التي ألهبت العلّيقة دون أن تحرقها. فكما أنّ العلّيقة كانت ملتهبة لم تحترق، كذلك ولدت البتول النور دون أن يعتريها الفساد"
وقد رأى القديس غريغوريوس النيسي أن العليقة المشتعلة ترمز للسيدة العذراء، وبصفة خاصة حبلها البتولي وبتوليتها الدائمة، فيقول: "نتعلم من العليقة سر العذراء: فإن نور اللاهوت، الذي بولادته أشرق منها إلى حياة بشرية، لم يحرق العليقة المشتعلة، كما أن زهرة بتوليتها لم تذبل بالولادة".
والقديس يوحنا ذهبي الفم فيقول: "كما أن العليقة اشتعلت دون أن تحترق، هكذا أيضًا جسد المخلِّص مات ولكن لم يكن ممكنًا أن يُمسَك من الموت" (أع2: 24).
وقد جدّد الله بذلك العهد بينه وبين الآباء البطاركة الأولين الذي ظلّ معلَّقًا لعدة قرون، ويقول الكتاب: "فسمع الله أنينهم _أنين شعبه في مصر_، فتذكّر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، ونظر الله بني إسرائيل وعلم الله" (خر2: 24، 25).
في التسبحة اليومية تُبرز الكنيسة رمز العليقة بكل وضوح، فتقول في ثيؤطوكية الثلاثاء: "أنت هي الشجرة التي رآها موسى متقدة بالنار ولم تحترق، أي ابن الله الذي أتى وحلّ في بطنك ونار لاهوته لم تحرق جسدك"، وفي ثيؤطوكية يوم الخميس: "العليقة التي رآها موسى في البرية والنار مشتعلة فيها، هي مثال مريم العذراء غير الدنسة التي أتى وتجسد منها كلمة الآب، ونار لاهوته لم تحرق بطن العذراء، وأيضًا بعدما ولدته بقيت عذراء"، "الواحد من الثالوث المساوي للآب في الجوهر، لما نظر إلى ذلّنا وعبوديتنا المرّة، طأطأ سموات السموات وأتى إلى بطن العذراء وصار إنسانًا مثلنا"، وفي لبش الخميس: "تأمل العليقة والنار مشتعلة فيها ولم تحترق أغصانها ولم يفسد ورقها، هي مثال لمريم العذراء غير الدنسة التي تجسد منها كلمة الآب". وفي ثيؤطوكية الجمعة: "ثمرة بطنك أتى وخلّص المسكونة ونقض العداوة عنا وقرر لنا سلامه"، وفي ثيؤطوكية الأربعاء: "السلام للعليقة النفسانية الطبيعية التي لم تحرق نار لاهوته شيئًا منها". وفي التسبحة الكيهكية تقول مديحة على تذاكية الخميس: "العليقة التي رآها موسى النبي في البرية، والنيران مشتعلة فيها ولم تمسسها بأذية، مثال أم النور طوباها، حملت جمر اللاهوتية، تسعة أشهر في أحشاها، وهي عذراء ببكورية".
وهنا يعلّق أحد الآباء قائلاً: "إنّ جبل سيناء ارتجف من أمامك أيها الرب الإله، والعذراء مريم حملتك، بينما أنت تحمل العلو والعمق"، لقد كانت رمزًا للسيدة العذراء التي حل عليها الروح القدس، وامتلأت من نار اللاهوت ولم تحترق كمثال العليقة، وأصبحت بطن السيدة العذراء أرض مقدسة (مكانًا مقدسًا)، لأن الإله المالئ الكون كله ساكنًا في أحشائها وأخذ منها جسدًا إنسانيًّا.
يرى القديس إكليمنضس الإسكندري: في العُليقة إعلانًا عن الميلاد البتولي، فقد وُلد السيد المسيح من البتول، وبميلاده لم تُحل بتولية العذراء، هذا أيضًا ما عناه القديس غريغوريوس أسقف نيصص إذ قال: "نور اللاهوت الذي أشرق منها نحو الحياة البشرية خلال ميلادها (ليسوع المسيح) لم يحرق العُليقة المُتقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها لم تذبل بإنجابها الطفل". وفد نادى يثيؤدورت أيضًا بذات الرأي.





