القمص رويس الجاولى
أولا: في العصور المبكرة
لقد كان لليمن حصة هامة في المسيحية العربية، وقد ذكر مؤرخون قدماء من أمثال روفينوس وهيرويزوس أن متى هو مبشر اليمن والحبشة، وبينتانوس الفيلسوف ترك الإسكندرية في القرن الثاني وتوجه نحو اليمن مبشرًا كما قال أوسابيوس، وربما ظلّت المسيحية خلال المرحلة الأولى في المناطق الساحلية متأثرة بمواكب التجارة البيزنطية، ومصادر أخرى تقترح أن المسيحية دخلت إلى اليمن بفضل ثيوفيلوس الهندي في القرن الرابع. وفقًا ليوحنا النقيوسي في كتابه تاريخ مصر والعالم القديم، فإن اعتناق اليمنيين للمسيحية حدث في القرن الرابع كذلك بعد وفاة الإمبراطور قنسطنس ويقول: ( وبعد وفاته عرف سكان اليمن الله، واستناروا بنور وبهاء ربنا يسوع المسيح له المجد. وكان ذلك بتأثير حياة امرأة تدعى ثاؤغنسطا (لاتينية: Theognosta) كانت راهبة عذراء واختطفوها من ديرها الواقع في أراضي الروم، واخذت أسيرة حيث قدمت لملك اليمن ).
+++ ومما يؤخذ من أمهات كتب العرب كتاريخ المسعودي وسيرة الرسول لابن هشام أنّ المسيحية تقوّت خلال القرن الثاني ودخلت في خصومة مع اليهودية منذ القرن الثالث، خصوصًا بعد ارتداد الملك عبد كلال بن مثوب إلى المسيحية من اليهودية حوالي عام 273، ثم ارتد خليفته من بعده إلى اليهودية مجددًا ويبدو أنه عادوا إلى المسيحية قبل 458 حيث اكتشفت نصوص حميرية عن كنيسة شيدها الملك في ذلك العام، ولعله الملك مرثد بن عبد الكلال، غير أنه وبعد هذا كما قال الثعالبي والفيروزآبادي وغيرهما أن «أغلب ملوك اليمن وشعبه كانوا من المسيحيين». وأصبحت المسيحية الديانة الرئيسية في جزيرة سقطرة، والذين تبعوا تعاليم نسطور، وبقي أهل الجزيرة مُخلصين لتعاليمه وانضموا إلى كنيسة المشرق. وبحسب أحد التقاليد المحليَّة، المستندة إلى أعمال توما التبشيريّة، فإنّ سكان جزيرة سقطرة قد تحولوا إلى المسيحية على يد توما في عام 52 ميلادي. كانت نجران مركزاً تجارياً مهماً ومحطة لإستراحة القوافل وتخضع لسلطان الدولة الحميرية، فيما تشير روايات أخرى أن ملوك بيزنطة أرسلوا مبشرين إلى اليمن واعتنق ملوك حمير المسيحية. وكان أهل نجران والمسيحيين في الأراضي اليمنيَّة على مذهب اللا خلقيدونية والنسطوريَّة.
+++ على الصعيد التنظيمي أيضًا كان رئيس أساقفة اليمن له لقب «جاثليق» وهو اللقب الذي يلي البطريرك في الرتبة، وقد جمعت علاقة خاصة بين أهل اليمن والكنيسة السوريّة، كما يستدل من بعض ميامير أفرام السرياني وسيرة سمعان العمودي والمؤرخ فيلوستورغيوس الذي قال أن قرى ومستعمرات ناطقة بالسريانية أقيمت في اليمن، ومنها دخل الخط السرياني إلى قبائل قحطان وحمير فساعد في تطوير الخط العربي. كما ذكر ابن خلدون وابن هشام في «سيرة الرسول» وياقوت الحموي كذلك أن نجران عاصمة اليمن كان جميع أهلها من المسيحيين، وعندما ارتد الملك ذو نواس إلى اليهودية رفض أهل النجران العودة إليها، فأحرق منهم عشرين ألفًا كما روى ابن اسحق في الأخاديد، وقد ذكرت القصة في القرآن. على أن الإمبراطور أغاظه ما حل بمسيحيي اليمن فطلب من النجاشي في الحبشة احتلال البلاد والقضاء على ذي النواس، ففتح الحبشيون اليمن ودام حكمهم فيه حتى 575، وقد شجع الحبشيون المسيحية في اليمن فازدهرت وتقوّت حتى كادت الوثنية تنقرض، وشيّد الحكام بناءً فخمًا شهد له القدماء بجماله وفخامته تكريمًا لقتلى الأخدود وزيّن البناء بالحلي والجواهر والقناطر ودعته العرب «كعبة نجران» وأشرف عليها بنو عبد المدان من بني الحارث، إلى جانب كنيسة القليس التي يكاد لا يخلو كتاب في تاريخ العرب من ذكرها لشهرتها، وقيل أنها بنيت لجذب الناس عن كعبة مكة وقيل أيضًا لجذب الناس عن قصر غمدان محج وثنيي اليمن. وفي المرحلة اللاحقة قاوم اليمنيون سيطرة الحبشة وأرادوا استقلالهم وقاد المقاومة سيف بن ذي يزن وهو بدوره مسيحي كما جاء في كتاب «أنساب العرب» لسلمة بن مسلم، وخلفه ابنه معدي كرب.





