بقلم الأب يسطس الأورشليمى
حقا قال ربنا يسوع المسيح "ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله.(مت 4: 4)
ومع كل التباين في شخصيات الكتاب المُقدس، وأماكن وأزمنة كتابتهم، فإن أسفاره 66 سفر تُؤلف كتاباً واحداً في الروح، والموضوع، والهدف وهو: يسوع المسيح ابن الله، ففي بداية الكتاب نجده مُعلناً أنه هو الذي يسحق رأس الحية الشيطان، وفي نهاية الكتاب نجده آتِ سريعاً وأجرته معه ليُجازي كل واحد كأعماله، أنظر(تك15:3؛ رؤ12:22)، أما هدف ومركز الكتاب فهو طريقة الله مع الناس، واقترابه منهم بمقتضى نعمته المجانية وإحياء رجائهم فيه، فالإنسان يختبيء من الله في كل زمان ومكان، والله يبحث عنه ويُظهر له طريق الخلاص (1تي16:6)..
كما أنه يُعلمنا أن نعمة الله لا تأتينا بطريق مباشر، بل دائماً عن طريق وسيط، فلنوال الغفران من الخطايا، لابد من عمل التكفير بالدم، ونجد هذه الفكرة في الكتاب المُقدس من بدايته إلى نهايته..
نجد أن العهد الجديد القديم مليئاً بالنبوات عن المسيا المُنتظر، والأناجيل تظهره حاضراً عاملاً، والرسائل تنظر إليه بإيمان ومعرفة وتتوقع مجيئه الثاني، وسفر الرؤيا يتحدث عن سلطانه ومُلكه اللانهائي الأبدي..
كانت الأرض خربةً وخاليةً (تك2:1)، في ستة أيام خلق الله الخليقة، ويُسميها الكتاب أيام حتى يسهل فهمها لكل البشر، لكن بالنسبة للعلماء والباحثين، فهذه الأيام الستة قد تستغرق حقبات من الزمن ملايين السنين، لأن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد (2بط8:3)..
للكتاب المًقدس منزلة عظيمة في حياتنا، فالشماس يقول في الكنيسة: قفوا بخوف أمام الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المُقدس، فهو علامة على الاستعداد والاحترام ة والتركيز والانتباه لحضور الرب في وسطنا..
هو الكتاب الذي يُقدم لنا شخص الله الحنون، ويحوي على كلمات الله وأسرار معاملاته مع الناس، يتحدث عن الله الخالق العظيم، والفادي الحبيب ويقدم الوصية الإلهية، فالله لم يترك الإنسان الذي خلقه بدون دليل، فأعطاه الكتاب المُقدس الذي يساعده على الوصول والتمتع بالحياة الأبدية..
الإنسان الذي بلا كتاب مُقدس، هو بلا دليل يقوده، فهل تهمله؟!
الكتاب المقدس كامل بلا عيب، فكل الكتاب هو مُوحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البرّ، لكي يكون إنسان الله كاملاً مُتأهباً لكل عملٍ صالحٍ (2تي16:3)، ونحن نحتاج أن ندرس كلمة الله بالروح القدس، وحينئذٍ سوف نجدها كلمة قوية مُشبعة، ليس فيها ضعف أو نقص، لأن الوصية مُقدسة وعادلة وصالحة (رو12:7)، لكن المُشكلة في الإنسان الذي لا يحاول أن يتمتع بجمال الكتاب لذلك يقُول: ذُوقُوا وانظرُوا ما أطيب الرّب، فنامُوسه كامل يرد النفُوس (مز33،19)..
الكتاب غير قابل للتغيّر، بل صالح لكُل زمان ومكان، لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومُميّزة أفكار القلب ونياته، فالكتب العالمية تتغيّر من يوم إلى يوم، فأفكار البشر قابلة للتغير والتعديل، والإضافة والحذف، أما الكتاب فلا يتغير أبداً، بل قادر أن يُغيّر حياة البشر إلى حياة مُقدسة، فالسماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزُول (مر31:13؛ عب12:4)..
هُو كتاب مناسب لكُل البشر، ليس له لغة واحدة، ولا يعتمد على أسلوب واحد، لأنه بكُل اللّغات واللّهجات وصالح للجميع، ويتكون من التوراة، أي النور، والإنجيل البشارة المُفرحة، فهُو كتاب حياة وخلاص وعزاء لكُل الناس، غير خاضع للزمن، ولا يحتاج إلى تطوير، فُوق كُل المستويات يهدف إلى خلاص وسعادة وفرح الإنسان، لو لم تكن شريعتك هي لذتي لهلكت حينئذٍ في مذلتي (مز119؛ إر16:15)..
الكتاب هُو الغذاء الذي يُشبع رُوح الإنسان، فالكتب العالمية بجميع أنُواعها هي لتثقيفه وغذاء لعقله فقط، بينما الكتاب غذاء لرُوحه، ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان بل بكُل كلمة تخرج من فم الله (مت4:4)..
الكتاب هُو نُور وحياة، سراجٌ لرجلي كلامك ونُورٌ لسبيلي (مز119) فالوصية مصباح والشريعة نُور، والكتاب سرّ النُصرة في الحياة الرُوحية فاقبلوا بُوداعةٍ الكلمة المغرُوسة القادرة أن تُخلّص نُفوسكم، ولكن كُونُوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفُوسكُم، ولا تحزنُوا كالباقين الذين لا رجاء لهُم (1تس13:4؛ يع21:1)، فهُو ينبُوع التعزيات..
وحي الكتاب المُقدس، كلمة: وحي، تعني أنفاس الله في اللغة اليونانية وفي العبرية بمعنى إستعلان الله لذاته، والكتاب بعهديه هُو مُوحى به من الله ولكن بعض الأديان لا يوجد فيها وحي مثل البوذية التي تستمد ديانتها من وجود بوذا الرجل الحكيم في الهند، واتخذوه مُعلماً لهم، أما في المسيحية فالوحي الإلهي المُقدس حقيقة تاريخية، لا تقوم على فم شاهد أو شاهدين، بل على العشرات من الشهود، فقد كتب الكتاب المُقدس أربعون كاتباً استخدمهم الله القدوس، لأنه لم تأتِ نُبوة قط بمشيئة إنسانٍ، بل تكلّم أناس الله القدّيسون مسُوقين من الرُوح القُدس (2تي16:3؛ 2بط21:1)..
الوحي ليس صُوتاً يُسمع ثم ينتهي، وليس وميضاً يُرى ثم يختفي، ولكنه إعلان إلهي دائم، وأحياناً يُشبّهون الوحي بالطاقة، فعند وضع أي مصباح مهما كان شكله أو حجمه في مصدر الكهرباء فإنه يُنير، هكذا الوحي الإلهي لا يشترط شكلاً مُعيناً أو لغة مُعينة، بل تظل كلمة الله كما هي، مهما تغير تركيب العبارة، المهم صوت الله الذي يُعطي هذه الكلمة المُقدسة، لأن كلمة الله حيّة وفعّالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدّين (عب12:4)..
نلاحظ أن: الذي كتب أولاً من ناحية الزمن هو القديس مرقس البشير ولكن نجد في البداية إنجيل متى البشير، لأنه كُتب لليهود فهو همزة الوصل بين العهد القديم والعهد الجديد، وهو يتحدث عن المسيح الإله المُتأنس الكامل في لاهوته وناسوته، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغير..
كيف عرف الناس الوصية قبل أن تُوجد مكتُوبة ؟!
كانت تُلقن الوصايا من جيل إلى جيل، وكان هناك الضمير، فعندما تعرض يوسف الصدّيق للخطية قال: كيف أصنع هذا الشرّ العظيم وأخطىء إلى الله، وإبراهيم أبو الآباء عندما قدم ذبائح، ويعقوب عندما نذر نذراً، لم تكن هناك وصية مكتوبة، وقد أمر الرب موسى بالكتابة قائلاً: أكتب لنفسك هذه الكلمات قطعت عهداً معك، أنظر(تك39،28،15؛ خر27:34)، وفي العهد الجديد قال الرب يسوع لتلاميذه قبل الصعود: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب، والابن، والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به (مت19:28، 20)..
ما هي اللّغة الأصلية للكتاب المُقدس ؟
كُتب العهد القديم باللغة العبرية، وقبل ميلاد الرب بأقل من ثلاثة قرون تمت ترجمته إلى اللغة اليونانية، وهي لغة ثقافة العالم في ذلك الوقت، وقام بترجمتها سبعون مترجم، وصارت الترجمة السبعينية المشهورة، أما العهد الجديد فقد كُتب باللغة اليونانية العامية وليس الفصحى..
وأتذكر قصة السائح الذي قام بزيارة متحف فلورنس للفن، ولم تعجبه اللوحات الفنية المعرُوضة، فتسائل بكبرياء وغرُور، هل هذه هي تُحفكُم؟! أنا لا أرى فيها أي شيء من الجمال، فأجابه أمين المتحف وقال: الجمال لا يكمن في اللوحات نفسها، وإنما في الأشخاص الذين يتأملونها..
قال أحدهم: في هذا الصباح انتقلت من الظلمة إلى نُوره العجيب، ومن المُوت إلى الحياة عندما نظرت إلى المسيح، تخلّصت من البؤس والشقاء وعشت في فرح عجيب، نظرت إليه ونظر هُو إليّ، ومنذ ذلك الحين مُتحداً به إلى الأبد، التفتُوا إليّ واخلُصُوا يا جميع أقاصي الأرض لأنيّ أنا الله وليس آخر (إش22:45)، فهل السيد المسيح هُو مركز وأساس حياتك، ربما تكون قد رفعت صلوات باسمه، ولكنك أبعدته عن حياتك؟!
قال أحد القديسين: الكتاب المُقدس عندي هُو الكامل والشامل والوحيد وفي كُل مرة أفتحه أجد يسُوع المسيح في كتابي، وهُو يستجيبني في كُل كلمة وكُل عمل يعمله، فوجه الله قبل أي وجه، وكتاب الله قبل أي كتاب ففي كلماته الغفران والتعزية والسلام، لأنه رئيس السلام ومعطيه..
الكتاب المُقدس يُقدم لنا الصيدلية المليئة بالفيتامينات المُقوية المُنعشة المُعزية لأرُواحنا، ونفُوسنا، وأجسادنا (1تي23:5)..
هل أنت خائف؟! يقُول: لا تخف لأني معك (إش10:41)..
هل أنت مريض؟! يقُول: إنيّ أنا الرّب شافيك (خر 26:15)..
هل أنت حزين؟! يقُول: أنا، أنا هُو مُعزّيكُم (إش12:51)..
هل أنت في همّ وغمّ ؟! ألق على الرّب همّك، وهُو يعُولك (مز55)..
هل أنت في قلق؟! يقول: لا نضطرب قُلُوبكُم ولا ترهب (يو27:14)..
هل تشعر بتعب؟! يقُول الرّب يسُوع: تعالوا إلىّ يا جميع المُتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحُكم، احملوا نيري عليكُم وتعلمُوا مني، لأني وديع ومُتواضع القلب، فتجدُوا راحة لنُفوسكُم، لأن نيري هينٌ وحملي خفيفٌ أنظر الكتاب المُقدس (مت28:11-30)..





