بقلم د. ق يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
وعضو إتحاد كتاب مصر
الحياة الفاضلة ليست مُجرد أخلاقيات اجتماعية او سلُوك أدبي يتدرب عليه الإنسان بقدراته وجهاده الذاتي، وإنما هُو تفاعل حيّ مع الوصية الإلهية في المسيح يسُوع، فإن كان يوصيهُم إنما في الرّب، وليس من عنده وإلا كانت وصايا بشرية، قد تكُون براقة وجميلة لكنها عاجزة عن العمل في أعماق القلب، أما وصية الرب فهي حيّة وفعالة وأمضي من كُل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والرُوح والمخاخ (عب12:4)..
إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحُوا مع الله، فنحنُ لا نقبل الوصية إلا بكُونها وصية إلهية يُعلنها المسيح فينا، لكي يكُون لها سُلطان في داخلنا لتغيير حياتنا، والدخُول بنا إلى أعماق جديدة، راجع الكتاب (2كو2:5؛ عب12:4)..
في الرّب يسُوع، تعني أنه لا يتحدث معنا إلا وهُو مُختفي في الرّب يسوُع، حيثُ يجد له في أحشائه مُوضع راحة وسلام فائق متذُوقاً الحُب الإلهي فيه، فالحياة الفاضلة في جُوهرها هي: الدخُول في الرّب يسُوع، للتمتع بأعماق جديدة خلال نعمته المجانية في القلُوب..
نحنُ نتقبل الوصية الإلهية خلال التسليم، فالسلُوك المسيحي هُو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسُولي، إنه مُرتبط بالإيمان، والإنجيل الذي تقبلته الكنيسة من المسيح خلال تلاميذه كتقليد حيّ يعيشه المُؤمنُون ويُسلم خلالها عبر الأجيال، هكذا بالتقليد نتقبل الإنجيل لا كأفكار عقائدية مُجردة، وإنما بالحري حياة إيمانية عملية مُعاشة في القلب في الداخل، ومُعلنة خلال العبادة الجماعية، والشخصية، ومع الجميع..
الحياة الفاضلة هي أن تسلكُوا وترضُوا الله، فلم يكن ممكناً إرضاء الله بعد أن فقد الإنسان صُورة الله وتشوه المثال، يتطلع الله إلى البشرية بعد سقُوطها فلا يشتم فيها رائحة رضا، بل يجد الجميع قد فسدُوا وزاغُوا معاً، ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد، لكن إذ جاء كلمة الله مُتجسداً وحل بيننا، انفتحت السماوات لنسمع بوضُوح صُوت الآب: هذا هُو ابني الحبيب الذي به سُررتُ، له اسمعُوا..
سمعناه حين دخل المسيح إلى مياه المعمُودية في الأردُن، وحين ارتفع بتلاميذه على جبل التجلي، ونحن إذ نقبل العضُوية في جسده المُقدس، إنما نتقبل رضا الآب وسُروره، حيثُ يرانا مُتحدين في ابنه، موضُوع سرُوره وإذ يرتفع بنا الرُوح القُدس على جبال الكتاب كما على جبل تابُور ليتجلى مسيحنا فينا، ويُعلن ملكُوته في داخلنا بثمرة رُوحه فينا..
فالآب يجذبني إلى الابن، والرُوح القُدس يُضيء ويُنير لي، والابن يأخذني بالرُوح القُدس إلى الآب الذي يجد ابنه فيّ، فيغفر لي خطاياي بدم الابن، ويقُول: هذا هُو ابني الحبيب الذي به سُررتُ. (يو44:6؛ 1كو3:12؛ عب6:11)..
إن كانت الحياة الفاضلة هي دخُول في المسيح، فإننا نجد فيه رضا الآب وسرُوره، وخارجاً عنه وبدُون الإيمان لا يمكن إرضاؤه، فالحياة الفاضلة ليست مُجرد سلُوك اجتماعي فيه يلتزم الإنسان ألا يضر الغير، بل يُعينه ويسنده ويدخل ويتحد مع الله في المسيح، لكي يستريح بنا وفينا بكُوننا أعضاء جسد ابنه، مُقدماً لنا مُوضعاً في أحضانه الأبُوية..
يقُول الرسُول: تزدادُون أكثر، وبهذا المفهُوم لا تقف الحياة الفاضلة عند حدُود، إذ لا يستريح المُؤمن حتى يبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح، ويحمل سماته واضحة ونامية فيه بلا انقطاع حيثُ يتجلى الرّب نفسه فيه من يوم إلى يوم ليدخل به إلى عظم بهائه، من خلال الجهاد الذي لا ينقطع كجندي صالح ليسُوع المسيح، وفي جهاده لا يطلب مديح الناس، بل رضا الله، (غل17:6؛ أف13:4؛ 2تي4:2)..
لخص الرسُول الحياة الفاضلة المُرضية عند الآب في هذه العبارة: لأن هذه هي إرادة الله قداستكُم، اتبعُوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدُونها لن يرى أحدٌ الرّب، أحفظ نفسك طاهراً.. (2كو6:6؛ 1تي22:5؛ عب14:12)..





