✍️د/ هاني ر صموئيل
من وحي تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق 😢 والصمت الدوليّ الشاذ! 
جريمة سوداء في قلب دمشق، المدينة العريقة الَّتي حملت منذ القِدم راية الإيمان وجراح التاريخ، نعم جريمة ارتكبها وغد أعمى ربّما لا يعرف اسم ابيه، جريمة خطّها التطرفُ بالحزام الناسف والفتوى المسمومة. 

في بيت صلاة في كنيسة مار إلياس، حيث ترتفع الصلوات وتتهامس المزامير، دوّى انفجارٌ دموي، حوّل قدّاس السلام إلى مأتم، والمكان إلى مقبرة.
لم يكن الحضور في الكنيسة يحملون شيئًا سوى صلواتهم. نساءٌ يرتّلن، شيوخٌ يصلّون، أطفالٌ يُضيئون الشموع ويتهامسون بأحلام صغيرة. وبينهم من كان يستعدّ لزفاف، ومن يفكّر في مشروعه، ومن يرفع صلاة من أجل أولاده. ولكنّ ضبعًا داعشيًا تكفيريًا دخل الكنيسة يلبس الوهم، ويُفجّر الحقد. دخلها لا كإنسان، بل كأداة موت، كقنبلةٍ تمشي على ساقين.

أيّ رسولٍ هذا الّذي يحرّض تابعيهِ لقتل المسيحيين ويُرضيه أن يراهم أشلاءً؟
أيّ دينٍ هذا الّذي يدعو معتنقيهِ لتفجير بيت الصلاة؟
أيُّ عقلٍ تجرّد من الإنسانية إلى هذا الحدّ، ليجعل المذبح ساحة ذبح؟
يا له من حقد دينيّ وانتحار عقائدي!

فالقتلة لم يأتوا من فراغ. هم أبناء خطابٍ متشظٍ، وتربيةٍ صحاري جافة، ودينٍ مختطف. لم يَخرجوا من مدرسة، بل من كهوف. ظنّوا أن الدّين الصحيح يُقاس بعدد الأعداء الذين يَسقُطون، لا بعدد القلوب التي تنجو بالرَّحمة. خُدِعوا بخرافة "حور العين"، وسُيّروا كالعبيد نحو محرقة الغيبوبة الدينية.
كيف يجرؤ أحدهم أن يُفجّر جسده بين المصلّين ظنًا أن السماء تبتسم له؟
كيف يتحوّل بيت الربّ إلى هدفٍ مشروع ونسفه حلال؟
وهل الجنة تُنال بقتل الأطفال؟!

ليست هذه الجريمة حادثًا فرديًا طارئًا. بل هي جريمة محسوبة، امتداد واضح لمنظومة فكرية، وتغذية سياسيَّة، وتواطؤ دولي. إنّها جريمة مبرمجة، مرتبطة بمحاور التطرف العابرة للحدود، الّتي ما تزال تستثمر في العنف الديني كورقة ضغط وتفتيت.
من زوّد هؤلاء بالسلاح؟
من غطّى فكرهم؟
من تواطأ معهم بالصمت أو التبرير أو الصفقات القذرة؟

إنّ هذه الاعتداءات، وإن وقعت داخل الكنائس، فإنها تستهدف الوطن كله، وتهدّد ما تبقّى من نسيج سوريّ متماسك، وتحاول عبثًا أن تمحو الوجود المسيحي الأصيل في الشرق.
نوجّه ندائنا إلى الضمير الإنساني العالمي، إلى كل مؤسسات المجتمع الدولي، إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإلى كُلِّ من يتغنّون بالدفاع عن الحريات:
أين أصواتكم حين تُفجَّر الكنائس؟
أين قوانينكم حين يُذبَح الأبرياء في بيوت العبادة؟
هل الدم المسيحي في الشرق بلا حُرمة؟
أم أن الإرهاب، ما دام موجّهًا إلى الأقليات، يُصنَّف “تفصيلًا محلّيًا”؟
لماذا لم تُصنَّف هذه المجازر تحت بند "جرائم ضد الإنسانية"؟

نطالبكم لا بالشعارات، بل بالحماية. لا بالتعازي، بل بإجراءات تمنع التكرار. لا بالتصريحات، بل باعترافٍ صريح بأن المسيحيين في سوريا والعراق ومصر وفلسطين، هم في صُلب هذا الجحيم، ويُقتَلون بلا ذنب.

أما آن أوان الاستفاقة؟
فهؤلاء المجرمون لا يعرفون سوى لُغة الموت، ولا يؤمنون إلّا بثقافة الذبح والتفجير. سُكارى بأوهامهم، يركضون نحو سراب الجنة كما يركض الغراب نحو فريسة نتنة.
هم أبناء الكهوف، لا أبناء الحضارة.
هم أعداء النور، وأتباع الظلام.
أهذه ثورتكم يا دُعاة "الفتح المبين"؟
ثورة يُستبدل فيها البوق بفتيل الناسف؟
ثورة تُفجِّر الأعراس، وتخنق أحلام البنات، وتيتم الأطفال قبل أعيادهم؟
وأنتم يا دعاة "الأمة المحتارة"، يا من نصبتم أنفسكم حراسًا على أبواب الجنة…
كيف لم تجدوا حتى اليوم سبيلًا إلى التصالح مع الحضارة، أو التفاهم مع الإنسان؟
أنتم وحدكم من يزرع القنابل بدل الورود، ويفجّر الكتب بدل أن يقرأها.

الويل لكل تجار الدين الذين غسلوا أدمغة هؤلاء الضالين، وزرعوا فيهم سمًّا على شكل وعود بالولائم الحوريات.
وغضب السماء قائم على كل شيخٍ أفتى، وكل ممولٍ سكت، وكل تاجر دمٍ بارك وحلّل سفك الدماء البريئة.
وختامًا، نرثي الشهداء ونُدين القتلة بكلماتٍ حقيقيَّة وبلغةٍ محكيّة،

بل بقصيدة رثاء لا تموت:
شَبيبَهْ ف عُمر الزّهور ليه يموتُوا؟
بتفجير كِنيسهْ ودَه شرع مين؟
دَا دَمْ الضحايا ها يفضل وصوتُهْ
ها يقلق منامكُم يَا مجرمينْ
دبحتوا الصبايا في قلب الكنيسهْ
قتلتوا الشّبيبَهْ بتفجير حِزامْ
يأ أمّه عقيدتها هَشَّهْ وتعيسهْ
ما تعرفشي حتمًا طريق السلامْ
شُموعْ المَحبَّهْ كَانتْ فِ الأيادي
مَزامير وصلوهْ بهمس القلوبْ
دخلتم عليهم دواعش تعادي
بتنسف وتحرق جَمال الشعوبْ
يَا شلَّة ضباع بالبلاد ماشيهْ تفسد
تخصص جريمهْ وتفجير نفوسْ
ويا شرع غابهْ لإمتى هانحصُد
لإمتى المجازر وقطع الرؤوسْ
بأي عقيدهْ وشرع ورسولْ
عبثتم نسفتم دبحتم رِقاب؟
في وصف انحطاطك يا دَاعش هاقولْ
ده إبليس أبوكم يا نسل الذئابْ
بتقتل باسم الإلهْ ليه يا جاهل؟
دَه الله مَحبَّه ورحمهْ وحنانْ
يا ضال العقيده وسيفك دَه نازلْ
في سوريا الجميلهْ مولّع نيرانْ
يا شعب ما يعرفْ لُغات المحبَّه
ثقافته الدينيَّهْ في فَنّ النكاحْ
في أرض وجنَّهْ في موطن وغُربهْ
ملطّخه سيرتُهْ بدم ونواحْ
شيوخ الفتاوي سيبونا ف حالنا
وبصوا بعيونكم وشوفوا الجَحيم
خلافكم معاهُم ده مالُهْ وِمَالنا
سيبونا باسم الإلهْ الرّحيمْ ... 
وإن كانت دمشق تبكي، ولكنّ الكنيسة لا تنهار.
وإن سككت الأجراس يومًا، فإنّ صدى الشهادة ووعد الرّجاء بالقيامة المجيدة سيبقى أبد الدهر.
لأنّ النور يُولَد دومًا في قلب الليل، والموت في المسيح حياة.
ولأنّ الكنيسة، وإن دُكَّت بالجدران، فهي قائمة في السماء، في انتظار مجيء حبيبها ومخلصها يسوع المسيح.
مع خالص التّعازي، ماران آثا!
✍️د/ هاني ر صموئيل
#HanyRSamuel
ولأهل الشهداء ولأصدقائهم ولكل متألم حزين 
أهدي ترنيمتي الّتي كتبتها من رحم المعاناة:
https://soundcloud.com/hanyrsamuel/sets/jadeerbelthiqa