نيفين سوريال
كلام اللسان نابع من القلب
اللسان، هذا العضو الصغير الذي لا يتجاوز حجمه بضع سنتيمترات، يحمل في داخله قوة عظيمة، إمّا أن تهدم أو تبني، تميت أو تحيي. وقد قال الكتاب بوضوح في سفر الأمثال 18:21: "الموت والحياة في يد اللسان، وأحباؤه يأكلون ثمره". فليس الكلام مجرد أصوات عابرة، بل هو ثمر من نوع ما: إما فاسد يؤدي للهلاك، أو طيّب يزرع حياة. واللسان لا يتحرك من ذاته، بل هو عبدٌ مطيع لما في الفكر، وصدى لما يختمر في القلب.
قال الرب يسوع: "من فضلة القلب يتكلم الفم" (لوقا 6:45). فالفكر إن كان فاسدًا، قاد اللسان إلى الكذب، والافتراء، والنميمة، والشتيمة، والتجديف، وشهادة الزور، وحتى الإنكار والإلحاد. وإن كان الفكر مجددًا بالروح القدس، صار اللسان أداة للصلاة والتسبيح، والشهادة، والبنيان، والتشجيع.
كم من مظلومين سقطوا لأن لسانًا شهد عليهم زورًا، وكم من بيوت تفككت لأن كلمة كذب سرت كالنار، وكم من نفوس تحطمت لأن لسانًا قال: "أنت فاشل، لا تصلح لشيء، أنت بلا قيمة". ويا لها من كلمات سُمّها لا يُرى، لكن أثرها قاتل. ألم يقل أيوب: "حتى متى تعذبون نفسي وتسحقونني بالكلام؟" (أيوب 19:2). حتى الله يكره الكذب، ويعلن ذلك بوضوح في سفر الأمثال: "كراهة الرب شفتي كذب، أما العاملون بالصدق فرضاه" (أمثال 12:22). الكذب مقرف، مقزز، يثير غثيان السماء، فكيف يُنطق به على لسان مؤمن يدّعي التقوى؟
ومن أخطر ما يمكن أن يُستخدم فيه اللسان هو أن يُشرك بالله، أو يُنكر وجوده، أو يجدّف على اسمه، فيقول الجاهل في قلبه: "ليس إله" (مزمور 14:1). وإن كان القلب ممتلئاً بالشرك، فإن اللسان يتكلم بما يعكس هذا الكفر. وأي خطيئة أفظع من أن يُنكر الإنسان خالقه، أو يسبّ إلهه، أو يحلف باسمه باطلاً؟ لذلك أوصى الرب: "لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يُبرئ من نطق باسمه باطلاً" (خروج 20:7).
حتى الرب يسوع شدّد قائلًا: "بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (متى 5:37). أما يعقوب، فقد كتب بروح قوية: "لا تحلفوا… بل لتكن نعمكم نعم، ولاكم لا، لئلا تقعوا تحت دينونة" (يعقوب 5:12).
ومن ثمار الفكر الشرير أيضًا النميمة، والاستغياب، ونشر الإشاعات. وهي خطيئة قاتلة تحرق العلاقات وتشوّه السمعة وتفرق الأحباء، بل قد تدمر الكنائس وتُقسم الجماعات. النمّام هو من يسرّك بكلام عن غيرك، ثم يسرّ غيرك بكلام عنك. يفتقر إلى الفرح الداخلي، ويجد لذته في تحطيم غيره. والله يدعونا أن نحكم على كلامنا قبل أن نخرجه، فنفكر: هل هو حق؟ هل هو ضروري؟ هل هو نافع؟ هل هو بمحبة؟ هل يليق أن يُقال في غياب الشخص؟ وإن لم يكن كذلك، فالصمت حكمة. فلا أحد منّا معصوم من السقوط في هذا الخطر، لكن التوبة الصادقة تبدأ بأن نكف عن الكلام على الآخرين، ونرفض أن نكون آذانًا للنميمة، بل نكون كالحاجز الذي يوقف الدائرة، والمحب الذي ينصح بروح الوداعة.
وكم من الناس يعيشون في ظلمة الحزن والذل والعار لأنهم سُحقوا بكلمات جارحة! كم من امرأة كُسرت في داخلها لأنها سمعت: "أنت لست جميلة"، وكم من شاب انكسر لأنه سمع: "أنت فاشل". هكذا ينطق اللسان بفكر مريض، ويترك آثارًا تدوم لسنين. ومن هنا نفهم قول يعقوب بأن "اللسان نار… مملوء سمًّا مميتًا" (يعقوب 3:6-8). لذلك، إن لم يتجدد الفكر، سيظل اللسان آلة قتل صامتة، تطعن من دون سيف.
لكن، حين يمتلئ القلب من نعمة الله، ويتجدد الذهن بالروح القدس، يتحوّل اللسان من أداة للهدم إلى وسيلة للبناء، ومن مصدر للموت إلى نبع للحياة. نقرأ في سفر الأمثال: "الغم في قلب الرجل يحنيه، والكلمة الطيبة تفرحه" (أمثال 12:25). فاللسان المملوء من الله يشجع، يشفي، يعزي، يشهد، يرنم، يُصلّي، ويمدح الله.
يقول بولس: "لا تخرج كلمة رديّة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحًا للبنيان، حسب الحاجة، كي يعطي نعمة للسامعين" (أفسس 4:29). وهكذا، كل كلمة يمكن أن تكون جسرًا للرجاء، أو خنجراً للهلاك.
اللسان الخاضع للروح يشهد للمسيح بقوة: "ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا" (أعمال 1:8). ويُعلن الإيمان الحقيقي: "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، خلصت" (رومية 10:9). ويعترف بخطاياه أمام الله: "إن اعترفنا بخطايانا، فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا و يطهرنا من كل إثم" (1 يوحنا 1:9).
لكن إن لم نضبط ألسنتنا، فالنتيجة خطيرة. قال يسوع: "كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين. لأنك بكلامك تتبرر، وبكلامك تُدان" (متى 12:36-37). فلا عذر لمن يستهين بالكلام، ولا عذر لمن يحلّف ويشتم ويتكلم بسفاهة باسم المزاح أو العادة.
فكيف نضبط اللسان؟
نبدأ بطلب قلب جديد. قال داود: "قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي" (مزمور 51:10). لأنه من الكنز الداخل، يخرج الخير أو الشر. "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرج الصالحات، والشرير من كنزه الشرير يُخرج الشرور" (متى 12:35).
ثم نقرأ ونتأمل في كلمة الله، ونحفظها في القلب، فتتقدس أفكارنا وتتجدد أذهاننا، فينطق اللسان بما يُرضي الله. قال داود: "لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضية أمامك يا رب، صخرتي ووليي" (مزمور 19:14). وإن أردت تدريبًا عمليًا، فابدأ كل يوم بقراءة إصحاح من سفر الأمثال وآخر من رسالة يعقوب. ففيهما تجد كنوزًا من الحكمة تساعدك على ضبط اللسان وحراسة الفم.
ثم صلِّ دائمًا، واطلب من الله أن يضع حارسًا على فمك وكمامة على شفتيك. لا تتكلم بسرعة، بل فكّر أولًا، واطلب من الروح القدس أن يرشدك. لا تكثِر من الكلام، فـ " كثرة الكلام لا تخلو من معصية، أما الضابط شفتيه فعاقل" (أمثال 10:19). اجعل كلامك نافعًا، مشجعًا، رقيقًا، مملوءًا نعمة، محملاً بالمحبة.
وفي كل يوم، اجتهد أن تقول جملة تشجيع واحدة على الأقل. شجّع ابنك أو ابنتك، قل كلمة طيبة لزوجتك، أو زوجك، أو صديقك، أو زميلك، أو حتى لشخص غريب. اجعل لسانك ينبوع حياة في بيتك ومحيطك، واستخدمه ليمجّد الله.
هكذا فقط يصير اللسان بركة، لا لعنة. وهكذا فقط تتحول أقوالك من كلمات تهدم إلى كلمات تبني، ومن طعنات إلى شفاء، ومن غضب إلى نعمة. ليكن فكرك طاهرًا، ليكون لسانك طاهرًا. وإن طهر اللسان، فذاك دليل على أن قلبك ممتلئ من الله.





