د. سامح فوزى
أتمت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الأول. لا يوجد فى الأفق حتى الآن سبيل للتسوية، لكنها تمخضت عن نتائج مثيرة تتعلق بشكل النظام العالمى فى المرحلة المقبلة. أبرز هذه النتائج أن الغرب ظهر متماسكًا فى وجه روسيا، والعلاقات عبر الأطلنطى بين أوروبا والولايات المتحدة صارت أكثر قوة، ولكن تأثير الغرب برمته أصبح أقل، وبات عليه أن يدرك أن العالم لم يعد هو الذى انفردت به الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب الباردة.

الشواهد على ذلك كثيرة.

أولا: اتخذت العديد من دول العالم فى إفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية مواقف أقرب إلى الحياد، وتراجعوا عن تقديم الدعم إلى أوكرانيا، أو تطبيق العقوبات الغربية على موسكو، حتى إن ظلوا غير موافقين على ضم روسيا لأراض من أوكرانيا. هؤلاء غاضبون على النظام العالمى ذى النكهة الغربية الذى يتعرضون فيه إلى التهميش، ويرون أن سياسات الغرب صارت مزعجة بالنسبة لهم، من مواقف الرئيس دونالد ترامب الشعبوية، المنسحبة من صيغ عديدة للتعاون الدولى، مثل موقفه من اتفاقية المُناخ ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها، إلى سياسات الرئيس جو بايدن التى أججت صراعات دولية، وأعادت أجواء المواجهة الكونية مرة أخرى حول خطوط التماس التقليدية: الديمقراطية فى مواجهة الاستبداد، الغرب فى مواجهة الشرق، مما أرهق النظام العالمى، ووضع دوله فى أزمات اقتصادية طاحنة، هذا فضلا عن شيوع مزاج كونى رافض للكثير من التأثيرات الثقافية والاجتماعية الواردة من الغرب مثل الحرية الجنسية وغيرها التى صارت موضع انتقاد من العالمين الإسلامى والعربى، وروسيا، والصين، وأمريكا اللاتينية وآسيا.

ثانيا: بروز مراكز ثقل دولى، لم يكن لها نفس التأثير سابقًا، صارت تتحرك باستقلالية نسبية، وتبرز مواقفها المختلفة عن الغرب أكثر من ذى قبل. هناك مثالان واضحان على ذلك. المثال الأول: الخليج العربى، الذى يمثل الآن مركز ثقل مالى وسياسى فى المحيط العالمى، ورغم أن السعودية استضافت قمة أمريكية عربية جمعت الرئيس جو بايدن مع زعماء من المنطقة العربية، فإنها استضافت أيضًا، وبصورة أكثر احتفاء، ثلاث قمم صينية متزامنة مع الرئيس الصينى شى جين بينج: سعودية صينية، وخليجية صينية، وعربية صينية. وبرز دور الدول المصدرة للنفط، وفى مقدمتها السعودية، غير المؤيدة للتوجهات الأمريكية فى أزمة الطاقة المترتبة على الحرب فى أوكرانيا. المثال الثاني: دول البريكس، وتضم تجمعا من الاقتصادات الصاعدة الأكثر نموًا هى الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، التى اتخذت موقفًا أقرب إلى موسكو، وتتوالى طلبات الدول الأخرى للانضمام إلى هذا التجمع، الذى تبدو فيه الهند رقمًا مهما، وقوة صاعدة تتحرك باستقلالية عن الموقف الأمريكى، رغم علاقاتها المتشابكة مع واشنطن.

ثالثا: المواجهة بين الولايات المتحدة من ناحية والصين وروسيا وإيران أصبحت حقيقة واقعة، ومستمرة لفترة قادمة. وليس مفاجأة، أن الثلاث دول تربطها علاقات وثيقة. فقد استقبلت إيران فى غضون شهور قليلة زيارتين من الرئيسين الروسى والصيني. فقد زار الرئيس فلاديمير بوتن طهران فى أول زيارة خارجية له بعد اندلاع الحرب فى أوكرانيا، تبعها تعاون عسكرى بين الدولتين سواء فى الطائرات المسيرة التى حصلت عليها روسيا، واستخدمتها فى حرب أوكرانيا، والتى لا يفتر المسئولون الغربيون عن الحديث عنها، رغم أن الدول الغربية تمد أوكرانيا بالسلاح علنًا، وهناك أنباء عن رغبة إيران فى الحصول على طائرات مقاتلة حديثة من روسيا. وعلى الجانب الآخر، زار الرئيس الصينى شى جين بينج طهران، ووقع اتفاقات تجارية مهمة، ولفت إلى أهمية العلاقات الصينية الإيرانية فى دعم الاستقرار الإقليمى، ربما فى إشارة إلى أن بكين لا تريد أن تكون علاقاتها الوثيقة مع طهران على حساب علاقاتها الاقتصادية، الأوسع نطاقًا، مع دول الخليج العربي. وتٌعد إفريقيا، شمالا وجنوبًا، ملعبًا مهما للتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. هناك دول افريقية تستبعد الآن الوجود الغربى وتستعين بالحضور الروسى، خاصة فى مجالى التعدين والأمن،وتمتد الأنشطة الاقتصادية الصينية فى القارة السمراء. ومن الواضح أن أوروبا لا تريد تصعيدًا مع الصين، ويبدو من دعوة بكين ودول أخرى إلى المشاركة فى مؤتمر ميونخ للأمن فى دورته الـــ (59) رغبة المانية لعدم تحول المنتدى إلى ساحة أمريكية.

صفوة القول إن الغرب قد يكون فى حالة تماسك أكثر مما كان عليه، لكنه يعانى تراجع التأثير وسط صعود قوى عديدة تشكل ملامح نظام دولى جديد.
نقلا عن الأهرام