ودعنا عام ٢٠٢٢ بحلوه ومره وأفراحه وأحزانه وأيضاً بترينداته ، اهتمامات المجتمع التى صار يقيسها الآن ترمومتر معاصر اسمه التريند صارت هى القاموس والمرجع الذى تقرأ منه مفردات وحالة العقل الجمعى لأى شعب، بالطبع لانستطيع الاعتماد على التريند فقط فى قراءة وتحليل العقل الجمعى ،لأن التريند هو رد فعل على الانترنت فقط والذى لا يمثل الا اهتمامات شريحة من يتعاملون مع الكمبيوتر والموبايل ، ولذلك فالقياس عليه ليس دقيقاً، ولأنه أحياناً يكون تريندا مصنوعا ومطبوخا بواسطة لجان الكترونية تستطيع قيادة الشبكة العنكبوتية والسيطرة عليها وتوجيه دفتها الى اتجاه معين بعينه، ولكننا أيضاً لا نستطيع اهمال هذا التريند.

 
وللأسف شئنا أم أبينا فحديث العامة والنخبة وقطاعات كبيرة من المجتمع تدور حول التريند حتى ولو كان مصنوعا أو مفتعلا، فلنقل إن تحليل التريند ليس هو المترجم الوحيد للغة العقل الجمعى المصرى ،لكنه واحد من أهم العناصر المترجمة لما يدور فى هذا العقل ، نستطيع أن نقول وبمنتهى راحة الضمير إن نبوءة التريند زرقاء اليمامة فى ٢٠٢٢ تقول إن العقل الجمعى فى أزمة ،وأن من يصعدون لاحتلال المراتب الأولى فى قوائم اهتمامات المصريين على جوجل وتويتر والفيسبوك ..الخ هم مجرد ظواهر فقاعية عجيبة لا تعكس هموم المجتمع الحقيقية، أبطال من كرتون، وصناعات فوتوشوبية ليست لها بصمات روحية أو عقلية.
 
قراءة سريعة منتقاة لأهم تريندات العام الماضى نضعها أمام علماء النفس والاجتماع لعلنا نرصد حركة العقل الجمعى ،ونشخص علله ،ونضع أيدينا على نقاط إيجابية نستطيع أن نبنى عليها ونصلح بها، نجد تريند العريس الذى ضرب زوجته فى حفل الزفاف ضرباً مبرحاً أمام الكوافير، وكيف أن الجيران والأهل وصفوا ماحدث بأنه شيء عادى و«مصارين البطن بتتخانق وضرب الحبيب زى أكل الزبيب»، وتم حل الموضوع بإذاعة حفل التهام الحمام على الهواء مباشرة، وأعلنت العروس أنها فى أشد لحظات السعادة ،ثم بعد فترة قليلة صعدت الى التريند ببلاغ فى زوجها ،ثم تمت المحاكمة وكلكم تعرفون تفاصيلها، ما الذى يجعل العنف ضد المرأة شيئاً مستساغاً ومقبولاً ومبرراً لدى العقل الجمعى ،لدرجة أن يخرج علينا رجال دين يناقشون أداة الضرب وليس الضرب نفسه! فيقولون مرة تضرب بالسواك ومرة تضرب بالقلم الرصاص!، ومن عنف الضرب الى عنف القتل وتريند الفتاة التى قتلها زميلها العاشق الهيمان أمام سور الجامعة لأنها رفضت الارتباط به، وتصدى إعلامية للدفاع عنه فى فيديوهات حازت على نسب مشاهدة عالية ، كانت تتهم فيها الفتاة بأنها كانت ترتدى ملابس مثيرة وكأن هذا تبرير للقتل! وللأسف حدثت بعد هذه الضحية عدة حوادث قتل بنفس الأسلوب ولنفس السبب، من الزقازيق الى بور سعيد الى القليوبية..الخ، كيف يجرؤ انسان أن يدافع اجتماعياً عن قاتل معترف بجريمته ويبرر جريمته ويخترع اتهامات مفبركة للضحية؟ هناك تريند المذيعة الذكورية التى تروج لانسحاق المرأة الذى سيؤدى لبلع وقبول تلك الجرائم التى ذكرناها ضد المرأة، هذه المذيعة استهلكت ثلاثة أرباع الحوار على السوشيال ميديا فى عام ٢٠٢٢ وتدعو لقبول الزوجة للتعدد والعنف اللفظى والبدني، بل وتبرر خيانة الزوج بالملل الذى ينتابه واهمال الزوجة لنفسها وكأنها مجرد دمية فى سيرك شهريار!.
 
أما أعجب تريند والذى لم أجد لانتشاره وسيطرته تفسيراً حتى الآن كان تريند عامل النظافة! حادث تافه وعجيب واتضح فيما بعد أنه مصنوع للشو الإعلامي، وكأن هذا الرجل قد وضع يده على نبض الشارع المصرى وعرف اتجاهه وفكره ولعب عليه، عامل نظافة تم طرده من محل كشرى ،تعاطف معه الشارع المصرى بهستيريا ، ثم فجأة صار نجماً يتحرك بسيارة وبودى جاردات وتستضيفه قنوات ويغنى أغانى مهرجانات ويحضر عزاءات نجوم ونجمات ويتعامل معه الناس كنجم سينما ويدلى بدلوه فى القضايا الفكرية والفنية فى أكبر مشهد عبثى سريالى واجه المجتمع المصرى فى ٢٠٢٢ !! أما تريند الطلاق ثم الزواج ثم الطلاق الذى عشناه مع المطربة الشهيرة والذى كان مانشيت كل المواقع وحديث كل الفضائيات، ملخص هشاشة نفسية صنعت هشاشة اجتماعية وإعلامية،انعكست على صورة القوة الناعمة التى فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها ،ويكفى أن اثنتين نعتبرهما أهم صوتين نسائيين فى مصر كانتا موضع تريندات نميمة فجة غزت خلايا ونخاع المجتمع. أما تريند الداعية المصرى السلفى الشاب ابن الداعية الكبير صاحب فتوى بيع السبايا لحل مشكلات الاقتصاد والذى سافر الى كأس العالم لهداية المشجعين ، فقد كان مجرد تريند من مائة تريند صنعها واحتل بها هذا الداعية عقول آلاف الشباب ممن يعتنقون أفكاره ويدافعون عنها بعنف، هذا الداعية استطاع اقناع الملايين أنه أدخل مئات المشجعين فى المونديال الى الإسلام فى نصف ساعة، هللت الجماهير المغيبة وصعدوا به الى قمة جبل التريند بدون أى سؤال عن كيف ومتى!.
 
التريند ترمومتر يستطيع قياس درجة حرارة العقل الجمعى المصاب بحمى التفكير الخرافى.
نقلا عن الاهرام