د. سامح فوزى
هناك آراء يطرحها البعض، ويسير خلفها آخرون باعتبارها من المسلمات. من هذه الآراء القول بأن المواطن لم يعد يقرأ، والشباب ينصرفون عن القراءة بالاستغراق فى عالم الصور المرئية، والفضاء الالكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي. قد يكون هذا صحيحًا فى ظاهره، حيث اجتذب الانترنت الجميع، كبارًا وصغارًا، وصاروا مستهلكين له، ويقضون جانبًا من وقتهم فى التواصل مع غيرهم عبر وسائط الكترونية. ورغم ذلك، فإن هذا الرأى يعجز عن تفسير ثلاث ظواهر: الأولى تمتع كٌتاب بعينهم بجماهيرية واسعة فى أوساط الشباب، وتطبع كتبهم عدة طبعات. وقد لا يكون هؤلاء ذوى شهرة فى المجال العام أو الوسط الثقافى مقارنة بغيرهم، لكن الشباب يقبلون على انتاجهم الفكرى فى مصر وخارجها. مثال على ذلك الروائى أحمد خالد توفيق، الذى بلغت شهرته أرجاء الوطن العربي، ويٌقبل الشباب على اقتناء رواياته من المحيط إلى الخليج. الظاهرة الثانية: أن هناك تجربة مهمة فى نشر الكتب فى هيئة قصور الثقافة فى السنوات الأخيرة يقودها جرجس شكري، أسفرت عن طباعة العديد من الكتب المهمة فى بناء ذاكرة ووجدان ووعى المواطن نفدت يوم طرحها من الأسواق. فى هذا الصدد قد يكون من المناسب أيضا الإشارة إلى تجربة مكتبة الأسرة التى كان لها تأثير جماهيرى منذ عدة عقود، لكنها تراجعت الآن. أما الظاهرة الثالثة فهى ظهور جيل من شباب المبدعين يتمتعون بحضور وسط أقرانهم، ويكسرون بأعمالهم قيود المركزية الثقافية الشديدة، وتحفل دور النشر الخاصة بإبداعاتهم.
أظن أن أحد الأسباب الأساسية التى تدفع بعض المثقفين إلى ترويج النظرة السلبية بتراجع القراءة العامة فى أوساط الشباب تحديدًا، هو محدودية انتشار انتاجهم الثقافي، وضعف تأثيره. وأتذكر أن ناقدًا كبيرًا سدد ـــ فى مقال له ـــ انتقادات شديدة إلى أحد الروائيين الشباب، بزعم تهافت انتاجه الفكرى مقارنة بالروائيين الذين لهم أسماء رنانة فى سوق الرواية منذ عقود. ولكن الكاتب، رغم أن له سيلا من الكتب المهمة، لم يجب عن سؤال مهم: ما عدد النسخ التى تٌباع من روايات الكاتب الشاب التى وصفها بالضعيفة مقارنة بمبيعات كتب الروائيين الكبار الذين ذكر أسماءهم؟ الإجابة قد تكون صادمة، ويظل السؤال: لماذا يغفل بعض الكٌتاب حقيقة مهمة أن الذائقة الأدبية ليست ثابتة، لكنها متحركة فى الزمن والمكان؟
أعود إلى السؤال الأساسي: هل هجر الشباب القراءة؟ الإجابة بالنفي. يقرأ الشباب لمن يرون أنهم يضيفون إليهم جديدًا فى فهم عالمهم المتغير. وقد يكون مفيدًا التخلى عن ترديد هذا الاتهام المٌعلب سلفًا، وطرح السؤال بصيغة مغايرة: ما هى متطلبات الكاتب الذى يقرأ له الشباب؟
المتطلب الأول أن يتخلص من نوعية اللغة التى تعزله عن الناس، وتحشره بخشونتها فى ابراج اكاديمية مغلقة، ويطرح ـــ بدلا منها ــ أفكارًا مٌلهمة بلغة تؤثر فى المجتمع، بسيطة وعميقة فى آن واحد، وهى مهارة لا يدركها مثقفون كثيرون. منذ عدة سنوات طالب رئيس وزراء الهند الأكاديميين أن يكتبوا مقالات صحفية دورية يبسطون فيها العلم، وينقلونه إلى قطاعات عريضة من الجماهير، وأعتبر ذلك مؤشرًا جادًا على كونهم علماء. أعرف مثقفين يعتبرون أن استخدام صياغات لغوية معقدة، والاستغراق فى أفكار مجردة يضعهم فى عداد المفكرين فى بلاط الثقافة مقارنة بغيرهم، فى حين أنهم يبتعدون بالتأكيد عن تحقيق الوظيفة الأساسية للثقافة، وهى بناء المعرفة، ورفع وعى الناس.
المتطلب الثانى أن يبدع المثقف فيما يكتب، فلا يقتصر على اجترار الآراء القديمة أو يعيد انتاج ثقافة العزلة الحضارية، بل يرنو ببصره فى آفاق عالم يتغير يبحث فيه الشباب عن الكاتب الذى يثرى وعيهم، وليس من يدفعهم إلى انكاره فعليًا بالانكفاء على الذات. ولا يعنى الإبداع عدم مناقشة قضايا من التاريخ والتراث، ولكن يعنى مناقشتها بطريقة إبداعية، يرى القارئ من خلالها الصلة بين الماضى والحاضر.
المتطلب الثالث أن يتجه المثقفون إلى مخاطبة الآخرين، وليس الحديث الدائرى بين أنفسهم. الثقافة ـــ فى معناها الحقيقى تغيير الواقع من خلال انضاج وعى الناس. وطالما يتحاور، ويتناقش، ويتعارك المثقفون فيما بينهم فى أقبية مٌغلقة، فإن الناس ستظل بعيدة عن نسائم الحداثة.
وأيا كان مستوى عزلة المثقف عن الجماهير، ستظل هناك أصوات ثقافية مختلفة تكسر حاجز المركزية الثقافية، وتعزز بانتاجها قيم التعددية، والعدالة الثقافية، والتواصل مع جمهور جديد، موجود، ويقرأ، ولكن لا تعرفه دوائر الثقافة التقليدية.
نقلا عن الاهرام





