بقلم القس/ أرنست نادي 
في ظل "ثقافة النجاح" السائدة بين البشر والتي تحتفل بالانتصارات والانجازات لا نرغب أن نفكر في فشلنا الشخصي ولا في إحباطاتنا، كما لا نهتم بالاستماع إلى فشل الآخرين وإحباطاتهم، وبذلك نخسر مادة ثرية وغنية للتعلُّم والاستفادة في مدرسة الحياة. يجب أن ندرك أنه لا ينجو أحد من الفشل والإحباط، لذا علينا أن نخطط ونستعد ونتحصّن بهدف الاستفادة منهم. تُعلمّنا الكلمّة المقدسّة بأن مواسم الفشل والإحباط تكون من الأوقات الأكثر إثمارًا روحيًا في حياتنا إذ نكتشف أنفسنا على حقيقتها ونرى دوافعنا وميولنا الخاطئة ونلمس قراراتنا وسلوكياتنا المعوّجة، فيقودنا الرب إلى طريقًا مستقيمًا أبديًا.
علينا ونحن نستعد لاستقبال عام جديد أن نستعد أيضًا لمواجهة كل أوقات الإخفاق والفشل، وأن نتعلّم كيف نتعامل مع الإحباط الذي يتولد داخلنا مع كل سقوط وعثرة، سواء إحباط من أنفسنا وذواتنا، أو من الآخرين، وحتى الإحباط من الله.
أن طبيعتنا البشرية تميل دائمًا إلى النجاح والتقدُّم وإحراز التفوق - بأي طريقة - في كل مجالات الحياة، وأن نحاول أن نبروز صور التميز وننشر أخبار النجاح على كل وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، رغبةً منا أن يعرف الجميع ما قد وصلنا إليه، سواء في الدائرة الروحية، أو الدائرة العائلية، أو في مختلف الدوائر الأخرى، كالنجاح الأكاديمي، والنجاح المادي، والنجاح الكنسّي، والنجاح العملي، والنجاح القومي والسياسي. بالطبع نستطيع أن نلمس ذلك بوضوح إذا تطلعنا على حسابات الفيس بوك أو التويتر أو الأنستجرام، فنرى الصور المبهجة، واللقطات السعيدة، وحفلات التكريم، ويتبع ذلك رسائل المتابعين والمعجبين من الأصدقاء الذين نعرفهم أو لا نعرفهم، وتزداد رغبتنا في الحصول على أكبر كم من المشاهدة والمتابعة، ونرصد أعداد اللايكات، وإلى آخره من إحصائيات تعكس احتفالنا الشخصي، واحتفال الآخرين معنا بالنجاح والتفوُّق والتميز.
ويبقى السؤال هل نريد أن نحتفل بلحظات ضعفنا وفشلنا وسقوطنا وإخفاقاتنا؟!
بالطبع ستكون الإجابة لا، فنحن غير مستعدين على الإطلاق بأن نسمح لهذه الفكرة أن تزور فكرنا أو عقلنا، مما يُصيبنا عندما نُصاب بالفشل، بالإحباط وعدم الاتزان، لأن معظم محاولاتنا في كثير من الأوقات، وفي الكثير من المجالات والدوائر، تبوء بالفشل، وهذا الفشل غير مرئي في الكثير من الأحيان، مما يدفعنا بطريقة غير واعيّة إلى دفنها وطمرها بعيدًا عن أعين الناس، وفي ذات الوقت نُسرع بأن نجعل نجاحاتنا مرئية، مما يُسجننا في سجن الخداع والأكاذيب والإزدواجية، ويكون السجّان الحارس هو أنا. فأصبح السجين والسجّان في آنٍ واحد.
لو تأملنا في الكلمة المقدسة بكل تدقيق سنجد أن الوحي المقدس يهتم بنشر سير ذاتيّة عن الفشل لكل الشخصيات تقريبًا (آدم وحواء - قايين - نوح - إبراهيم - لوط - يعقوب - يوسف - هارون - موسى - شمشون - صموئيل - عالي الكاهن - داود - عخان - جيجحزي - سليمان - إشعياء - بطرس - يهوذا - توما - حنانيا وسفيرة - ديماس ... ولو تأملنا واقعنا اليوم نجد قصص فشل أنا وأنتَ وأنتِ.
في سفر المزامير نستطيع أن نرى ترنيمات الفشل (مزمور 13، 51، 73، 78 ...) وفي كل مرة يصرخ المرنم معترفًا: "أنا لا أتعامل مع الأمور بشكل جيّد وصحيح، أنا لا أستطيع أن أرى الأمور على حقيقتها، أنا أتخذ القرارات الإنفعاليّة الخاطئة، أنا ضعيف وفاشل ومحبط وساقط". ولكن في وسط ألحان ترنيمات الفشل الحزينة، يُشرق الله بنوره، فتأتي نغمات عذبة لتُذكّرنا بوعوده وأهدافه في حياتنا، فنستعيد الاتزان والتوازن، فنرى الله أولًا في مجدّه وقوتّه ورحمتّه ومحبتّه، ونرى أنفسنا بأننا لسنا وحدنا، مما يساعدنا أن نقبل أن غير الطبيعي هو الطبيعي، ويرشدنا أن نأتي بفشلنا أمام الله، وأن نشاركه بإتضاع وتواضع مع الآخرين.
إن مشاركة أحداث الفشل في حياتنا، والاستماع - بكل احترام واهتمام - لقصص إخفاقات الآخرين، يشجعنا أن نكون صادقين ومنفتحين في حياتنا الشخصيّة، وأن نتبع المثال الكتابي للأصالة الشُجاعة عن طريق مشاركة إخوتنا المؤمنين بمواضع الفشل كما بمواضع النجاح أيضًا في حياتنا. وعندئذ ستصبح حساباتنا وصفحاتنا الشخصيّة على مواقع التواصل الاجتماعي حقيقية وذات تأثير، لأنها ستعكس حقيقة واقعنا بدلًا من الزيف والرياء والكذب الذي يملاؤها.
 
أحبائي وأصدقائي .. لقد تأثرت بهذه الفكرة وأنا أُعد حلقات البرنامج الإذاعي "مواسم" على إذاعة الحياة الأفضل، واكتشفت بأن "موسم الفشل والإحباط والإخفاق" يجعلنا أكثر صدقًا مع أنفسنا، فيكسر فينا الذات ويكشف أعماقنا، ويظهر دوافعنا وميولنا الخاطئة، ويفتح أمامنا الطريق لنرى بوضوح عناية الله الحكيمة في السماح - مع تحمُّلنا الكامل مسئولية أخطائنا - بالمأساة أو الأزمة أو الانكسار، وهذا الاختبار الذي فشلنا به. هنا نرى الإطار الذهّي الجديد لسيادة الله العظيمة الذي يضعه حول فشلنا، فتتحول القطع العشوائية المجردة والقبيحة فينا إلى تصميمات مصنوعة بجمال وإبداع، تعكس كمال وبر المسيح يومًا بعد يوم، إلى أن نصل في نهاية رحلتنا إلى ملء المسيح.