خالد منتصر
يصل مونديال ٢٠٢٢ محطته الأخيرة بمباراة النهائى مابين منتخبى فرنسا والأرجنتين أكتب المقال قبل معرفة من سيحمل الكأس وإن كنت شخصياً أتمناها للساحر ميسى ولكن كرة القدم لا تعرف الأمنيات ولكنها تعرف العرق والجهد والتخطيط فقط ، لكن هذا المونديال من جميع جوانبه كان دراماتيكياً بامتياز، وكانت منافسات كرة القدم ونتائج المباريات مجرد لون أو خط فى الجدارية الكبيرة التى اسمها مونديال قطر ، فإقامته فى بلد عربى لأول مرة فى تاريخ مسابقات كأس العالم جعلته يحمل بصمتنا العربية بإيجابياتها وبعض سلبياتها.

وهذه قراءة مونديالية فكرية اجتماعية سريعة لأحداث هذه الكأس، فما دار فيها من صراع أفكار كان أخطر بكثير مما دار من صراع فرق رياضية ،أما بالنسبة للإيجابيات فأولاً تمتع مونديال ٢٠٢٢ بميزة لم تتوافر لمسابقة كأس عالم من قبل ، وفرتها له دولة قطر، وهى سهولة الانتقال ما بين الملاعب والاستادات الرياضية التى بنيت على أعلى مستوى، فقد كنا نرى مثلاً رئيس الفيفا فى ملعب ثم بعدها فى المباراة الثانية نراه فى مدرجات ملعب آخر، وأظن أن هذا المشهد لم نره على الإطلاق فى أى مسابقة من مسابقات كأس العالم، ثانياً: هذا المونديال طبقت فيه أحدث التقنيات التكنولوجية التى توفر مشاهدة ممتعة وأيضاً نتائج عادلة ، فقد وفرت تقنية الVAR نسبة أعلى من العدالة التحكيمية عما قبل ، وقلت إلى حد كبير أخطاء الحكام ،وهذا قد قلل من عصبية الجماهير التى لم نشاهد منها شغباً فى المدرجات أو حول الملاعب برغم أن هناك جماهير غفيرة جاءت من مسافات رهيبة لم نكن نتخيل أنها ستصر على هذه الرحلات المنهكة خاصة فى مواسم عمل وليست إجازات صيف ذلك لأن ظروف الطقس أجبرت الفيفا وقطر على تنظيم المونديال فى هذا الشهر بعيداً عن مواعيده المعتادة.

ومن الإيجابيات أيضاً كان الانضباط الأمنى الصارم الذى جعل أى شخص من الألتراس يفكر ألف مرة قبل أن يمارس عملاً همجياً أو تخريبياً غاضباً قبل أو بعد المباراة ، كل ما سبق كان على مستوى التنظيم والمبانى والملاعب والأمن وكل ما هو لوجستى أو بنية تحتية مما جعل المشهد العام للمونديال مبهجاً ،وساعد على تميز المشهد ظهور منتخبات لم يكن محسوباً لها أن تدخل مع المنتخبات الكبرى وتنافس وتصل الى ما قبل النهائى مثل منتخب المغرب الشقيق الذى حقق إنجازاً لم يسبق له مثيل وواجه منتخبات كانت المراهنات ترشحها للمنافسة على الكأس مثل اسبانيا وبلجيكا، مما أحيا آمال دول العالم الثالث كلها خاصة الإفريقية فى تكرار نفس الإنجاز.

لكن على الجانب الآخر كشف هذا المونديال عن بعض السلبيات التى مازالت تسكن العقل العربى وتعشش فى خلايا الفكر الإسلامى المعاصر الذى شوهته تيارات الإسلام السياسى وصادرت فيه العقل لمصلحة النقل، فمنذ اللحظة الأولى لانطلاق المونديال بدأت السوشيال ميديا والمواقع والصحف تتناقل خبر وصول داعية هندى وداعية مصرى آخر وداعية مصرى شاب هو ابن قطب سلفى شهير كان يدعو لحل مشكلاتنا الاقتصادية باستعادة تجارة السبايا! ماهى المهمة الخطيرة التى سافر من أجلها هؤلاء؟ المهمة كانت دعوة جماهير المونديال للدخول الى الإسلام! هل هذا وقته ياسادة؟ وهل مشكلة المسلمين هى قلة عددهم؟ وهل الأمم تنهض بالكم أم بالكيف؟ وماذا فعلت الدول الإسلامية بزيادة التناسل الأرنبية السرطانية الرهيبة؟ وهل الدين هش الى تلك الدرجة لنحاول إقناع أنفسنا به من خلال اعتناق الخواجة له؟!! ، بدأ سباق تديين المونديال بصورة هستيرية، وبدأ داعية يفاخر بأنه أدخل خمسمائة أجنبى الى الإسلام فى يوم، فيفرد الآخر عضلاته ويقول أنا أجدع منك ،فلقد نطقوا الشهادتين فى نصف ساعة! وكأننا فى مزاد، وكان السؤال المحير ما الذى قاله هذا الداعية أو ذاك ليقنع أجنبياً لا يعرف اللغة العربية بالدخول فى الإسلام؟! وهل أنت تتفاخر بهذا الشخص الذى ردد وراءك كالببغاء كلمات لايفهمها؟ وبدأ المحللون الرياضيون يرددون نفس النبرة فى جمل رنانة المفروض ألا تتردد فى ملاعب رياضية.

مادخل هذا فى ذاك ولماذا استدعاء الشعارات الدينية فى مثل تلك المناسبة، وكأن يقال إن فوز منتخب المغرب على إسبانيا وحد الأمة الإسلامية، وكأن هزيمته من فرنسا ستفرق الأمة الإسلامية!! ثم ردد بعض الرياضيين ومنهم من عاش واحترف فى أوروبا ،أننا قد استعدنا الأندلس فى مباراة اسبانيا! وبدأنا نسمع قاموس الغزو والفتح …إلخ وسط منافسات رياضية قاموسها الأوفسايد والجول والكورنر ..الخ ، ثم وصلنا الى القمة عندما صعدنا بخيالاتنا بعد هزيمة المنتخب المغربى عندما فسر البعض تلك الهزيمة بأنها مؤامرة من العالم الغربى على ديننا!،ولماذا لم يتآمر فى الأدوار التمهيدية وينتظر لما قبل النهائي؟!.

يخسر فى مونديال الرياضة من يخشى الالتحام ويدافع طوال الوقت، ويخسر فى مونديال الحضارة من يخشى السؤال و يعيش فى ماضيه طوال الوقت.
نقلا عن الاهرام