د. رامي عطا
مع تخصيص الدولة عددا من الأعوام للاهتمام بقضايا محددة، مثل عام المرأة وعام ذوي الاحتياجات الخاصة وعام التعليم، وحاليًا عام المجتمع المدني "2022م". فيمكن أن يخصص العام المقبل "2023م"، ليكون عامًا للحرية والكرامة والعِزة، حيث تحتفل مصر بعدة مناسبات في العام المقبل..
المناسبة الأولى: مرو مائة عام "اليوبيل المئوي" على إقرار دستور سنة 1923م، في 19 إبريل، وكما نعرف فإن الدستور هو القانون الأول وأبو القوانين، وهو عقد اجتماعي يمثل وجوده ضمانة حقيقية لحقوق المواطنين وواجباتهم وتنظيمًا للعلاقة بينهم وبين مختلف مؤسسات الدولة، وقد صدر دستور سنة 1923م بعد تصريح 28 فبراير 1922م، الذي اعترف بأن مصر دولة مستقلة ذات سيادة وإن كانت هناك أربعة شروط أو تحفظات، وكان ذلك من نتائج ثورة المصريين سنة 1919م، ليمثل التصريح ومن بعده الدستور خطوة مهمة على طريق الاستقلال ومحطة رئيسة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، التي ناضلت من أجل خروج الإنجليز واستقلال مصر سياسيًا واقتصاديًا، وقد أكد الدستور مجموعة من الحقوق والحريات، مع بعض الضوابط، واستمر العمل بهذا الدستور من 1923م إلى 1952م، باستثناء الفترة من 1930م إلى 1935م، حين ألغاه إسماعيل صدقي رئيس الوزراء آنذاك.
المناسبة الثانية: مرور مائة عام على رحيل فنان الشعب شيد درويش، ابن مدينة الإسكندرية، وقد عاش بين 17 مارس 1892م و10 سبتمبر 1923م، وكثيرًا ما تغنى من أجل عِزة الشعب المصري وحريته وكرامته، وقد تعاون مع كثيرين من مؤلفي الأغاني الوطنية والاجتماعية، منهم بديع خيري وبيرم التونسي ويونس القاضي وغيرهم، ومن أشهر أغانيه الحماسية: أحسن جيوش في الأمم جيوشنا، إحنا الجنود زي الأسود، الجيش رجع م الحرب، دقت طبول الحرب، سالمة يا سلامة، يا مصر يحميكي لأهلك، أنا المصري، إضافة إلى عدد آخر من الأغاني الاجتماعية، ليؤكد بأعماله الفنية أن الفن هو أحد سواعد الحركة الوطنية، وأنه واجهة حضارية للمجتمع، يؤثر في الجمهور ويرتقي بهم. في أغنية "أنا المصري"، تأليف بيرم التونسي، يتغنى سيد درويش قائلًا "أنا المصري كريم العنصرين. بنيت المجد بين الإهرمين. جدودي أنشأوا العلم العجيب. ومجرى النيل في الوادي الخصيب. لهم في الدنيا آلاف السنين. ويفنى الكون وهما موجودين"، وفي أغنية "قوم يا مصري" من تأليف بديع خيري، يتغنى سيد درويش فيقول "قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك. خد بنصري نصري دين واجب عليك".
المناسبة الثالثة: مرور خمسة وسبعين عامًا "اليوبيل الماسي" على إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في 10 ديسمبر 1948م، حيث أكدت مواد الإعلان الثلاثين الكثير من حقوق وحريات الإنسان، وجاء في المادة الأولى من هذا الإعلان "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء". وقد اهتمت مصر بالإعلان وأثاره، من خلال جهود مندوبها في الأمم المتحدة الدكتور محمود عزمي (1889-1954م)، وكان يعمل صحفيًا وأستاذًا للصحافة، حيث اهتم بقضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والإعلام والمرأة.
المناسبة الرابعة: مرور خمسين عامًا "اليوبيل الذهبي" على انتصار السادس من أكتوبر عام 1973م، والتي فيها استرد المصريون أراضيهم المسلوبة بعزيمة قوية وإيمان راسخ، وكانت قد سبقتها حرب الاستنزاف التي بدأت عقب هزيمة يونيو 1967م، لتشهد تلك الفترة مساندة المدنيين لرجال الجيش في تكامل وطني، هدفه تأكيد الكرامة المصرية وحقوق المصريين دون تفريط.
هذه المناسبات، وغيرها، والتي من المقرر أن نحتفي ونحتفل بها في العام المقبل، تتطلب اهتمام مختلف المؤسسات، التعليمية والثقافية والفنية والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، من خلال عقد الندوات والمؤتمرات، وإعداد البحوث والدراسات وإصدار المؤلفات، وإنتاج الأفلام التسجيلية والروائية، وتنظيم الزيارات الميدانية لبانوراما أكتوبر ومجلسي النواب والشيوخ..، حتى تعي الأجيال الجديدة من الشباب والنشء والأطفال قيمة المناسبات الوطنية والأحداث العالمية، خاصة وأن أهمية التاريخ تتجلى في تنشيط الذاكرة الجمعية المشتركة، وفي كونه يحقق التواصل بين الأجيال، ويزيد من الانتماء للوطن، ويدعم الهوية الوطنية، كما أنه نافذة مهمة وأصيلة لفهم الحاضر، ونحن نتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقًا.
نقلا عن الاهرام





