القمص يوحنا نصيف
    حدثت هذه القصة العجيبة بالكويت منذ سنوات طويلة، وصاحب القصة هو الذي حكاها لي منذ أكثر من عشرين سنة، كشهادة على أمانة الله مع أولاده الذين يلجأون إليه بكلّ قلوبهم..

    ذهب هذا الرجل المبارك في إحدى فترات حياته للكويت ليعمل هناك بأيّ عمل، وحدث أن ضاقت به الظروف جدًا، وانقطعَت فُرَص العمل حتى صرف كلّ ما معه، ولم يكُن لديه ما يقتات به، فظلّ بدون طعام -على الماء فقط- اثني عشر يومًا حتى كاد يهلك من الجوع والبرد..

    كان هذا الإنسان يملك إيمانًا عميقًا، فكان يصلِّي لله دائمًا "دبِّرني يارب".. وعندما شعر بأنّه سيموت لامَحالة، وكان يسكن في مكان مُشتَرَك مع بعض زملائه العُمَّال، ذهب إلى أحدهم وطلب دينارًا ليشتري به خبزًا.. فكان ردّ الزميل "إنتم جايين هنا تشحتوا؟!"..

    فانسحب الرجل بهدوء، وخرج من باب المسكن وجلس أمامه القرفصاء، وأخذ يحفر بيده في التراب خطّين متقاطعين على شكل صليب وهو لا يدري ماذا يفعل... وكان قلبه يصرخ بهذه الصلاة "دبِّرني يارب"... وفيما هو يحرِّك أصبعه في التراب عِدّة مرّات بدون تركيز؛ اصطدم أصبعه بشيءٍ.. وكان دينارًا.. ففرح به كما يفرح الطفل بمصروف كبير يناله من والده بعد غيابٍ طويل..!

    ذهب مُسرِعًا.. واشترى به خبزًا  وأكلَهُ شاكرًا الله.. ثم تَقَوَّى ونزل إلى السوق، فوجد رجُلاً يريد نقل بعض الحقائب، فحملها له إلى المكان المطلوب، فأعطاه الرجل أربعة دنانير. وطلب منه أن يساعده في عملٍ آخَر، وأعطاه أربعة دنانير أخرى.. ففرح وشكر الله، واستدار عائدًا للسوق مرة أخرى، فاشترى بطّانية عاد بها إلى مسكنه، وهو يلهج بتسبيح الله وحمده، ويشكره على حنانه ومراحمه.. فهو لا ينسى أحدًا..!

    وهكذا عمل لفترة طويلة في الكويت، ثمّ عاد إلى مصر، وعاش مستورًا بنعمة الله باقي أيّام حياته..

+ + +

يا إلهي أنت أبي المعتني بي..
إن نسيت الأم رضيعها فأنت لا تنساني..
أنت متّكلي، وعليك رجائي..
باسمك أرفع يديّ، فتشبع نفسي كما من شحمٍ ودسم..
أنت تعرف كلّ احتياجاتي، وستوفيها في وقتها.. لن أطلب سوى ملكوتك..
أعطني أن أكون أمينًا لك، كما أنّك تبقى دائمًا أمينًا..
امنحني أن أختبر حبّك، وأتمتّع بتدابيرك العجيبة في حياتي..
لك كلّ المجد والكرامة والتسبيح إلى الأبد. آمين.
القمص يوحنا نصيف