د. رامى عطا صديق
في أول يونيو من كل عام، يوافق 24 بشنس، تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتذكار هروب العائلة المقدسة، من فلسطين إلى أرض مصر، طلبًا للأمن والطمأنينة والسلام. وفي مصر مكثت العائلة المقدسة (الطفل يسوع وأمه مريم العذراء والشيخ يوسف النجار والسيدة سالومي)، نحو ثلاث سنوات ونصف، مرت خلالها بمناطق كثيرة، حيث زارت الفرما بشمال سيناء، تل بسطا ثم بلبيس بالشرقية، سمنود بالغربية، سخا بكفر الشيخ، وادي النطرون بالبحيرة، المطرية ثم مصر القديمة والمعادي بالقاهرة، منف (ميت رهينة) بالجيزة، دير الجرنوس بالهنسا، جبل الطير بسمالوط، الأشمونين، ديروط الشريف ومير القوصية ودير المحرق بأسيوط، وجبل درونكا ودير الجنادلة حسب بعض المخطوطات، ومن هناك عادت العائلة المقدسة إلى فلسطين، بعد أن عاش السيد المسيح طفولته في مصر، ومن الأماكن التي زاروها في رحلة العودة مسطرد بشبرا الخيمة. حيث تحولت تلك المناطق إلى بقع مقدسة وأماكن مباركة، بها كنائس وأديرة، تخدم المجتمع المحيط ويأتي إليها الزوار، من داخل مصر وخارجها، طلبًا للبركة والمعونة، أو اشتياقًا للبحث وحُبًا في المعرفة.

وعلى الرغم من أن هذا الحدث قد مر عليه أكثر من ألفي عام، إلا أنه يمثل حدثًا مُهمًا في تاريخ المسيحية وفي ذاكرة الكنيسة القبطية، حيث يُمثل مسار العائلة المقدسة '> مسار العائلة المقدسة واحدًا من أهم وأبرز المعالم الأثرية والسياحية في مصر، التي تتميز بهذا الحدث عن غيرها من دول العالم، ولم يكن غريبًا أن تحظى رحلة العائلة المقدسة باهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أبدى اهتمامًا بمشروع إحياء مسار العائلة المقدسة '> مسار العائلة المقدسة في مصر، الأمر الذي انعكس على تحركات مسئولي الجهات التنفيذية المعنية، خاصة وأن تلك الرحلة تحظى أيضًا باهتمام منظمة "اليونسكو". كما أن بابا الفاتيكان، قداسة البابا فرنسيس الثاني، كان قد قرر في أكتوبر 2017م، اعتبار مسار العائلة المقدسة '> مسار العائلة المقدسة "رحلة حج مسيحي"، بالنسبة للمسيحيين الكاثوليك حول العالم، وفي شهر مايو من عام 2018م أُدرجت زيارة المسار بشكل فعلي ضمن زيارات الفاتيكان الرسمية، ليجتذب مسار العائلة المقدسة '> مسار العائلة المقدسة في مصر اهتمامًا عالميًا كبيرًا.

ربما من هنا يأتي الحديث عن أهمية التنمية المستدامة للمناطق والمحطات التي زارتها العائلة المقدسة، باعتبار التنمية المستدامة تنمية متجددة وقابلة للاستمرار، لا تتعارض مع البيئة المحيطة، وتلبي احتياجات الأجيال الحالية والتالية أيضًا، ذلك أن التنمية المستدامة- وفقًا لكثير من التعريفات- هي التي تُلبي احتياجات البشر في الوقت الحالي دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تحقيق أهدافها، وهي تركز على النمو الاقتصادي المتكامل والمستدام، مع الإشراف البيئي والمسئولية الاجتماعية، حتى لا تضر بالبيئة، بل تكون ملائمة من الناحية الفنية ومناسبة من الناحية الاقتصادية ومقبولة من الناحية الاجتماعية.

إن التنمية المستدامة لمسار العائلة المقدسة تفرض علينا التفكير والعمل الجاد من أجل تطوير البيئة المحيطة، ونقصد هنا تنمية البشر والحجر، من حيث تنمية ثقافة سكان تلك المناطق وكيفية التعامل مع الزوار والسياح، بالإضافة إلى إصلاح وتطوير البنية الأساسية، ومنها المواصلات المناسبة، والتحول نحو الطاقة النظيفة، وبالإجمال توفير سبل الحياة اللائقة والكريمة. وحسنًا فعل البعض من المهتمين بالمسار حين شرعوا في تأسيس مؤسسة أهلية تحمل اسم "التنمية المستدامة لمسار العائلة المقدسة"، حاليًا تحت التأسيس، والتي تنظم مؤتمرًا وطنيًا خلال الفترة من 24 إلى 26 يونيو المقبل، تحت رعاية قداسة البابا تواضروس الثاني، ويشارك في حضوره عدد من الرموز المصرية والشخصيات العامة من الوزراء والمحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ والكتاب والمفكرين، ونخبة من الباحثين.

أعلم جيدًا أن هناك مؤسسات كثيرة، حكومية وغير حكومية، أكاديمية وثقافية، تهتم بمسار العائلة المقدسة ورحلتها في مصر، وفي تقديري أنه ينبغي التنسيق بين تلك الجهات، والتعاون مع المؤسسات التعليمية والفنية والثقافية والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، خاصة وأن مسار العائلة المقدسة '> مسار العائلة المقدسة في مصر هو تراث مادي وإرث أدبي لكل المصريين.

إنني أكرر الدعوة بضرورة تنظيم الزيارات والرحلات للمحطات الخاصة بمسار العائلة المقدسة في مصر، فيعرف الجميع كيف أن مصر كانت- ومازالت- وطنًا آمنًا وملاذًا طيبًا لكل من التجئ إليه يلتمس الراحة ويطلب السلام والأمان، وكيف أن مصر تتميز أيضًا بالتعددية والتنوع في إطار الوحدة، وبتعبير آخر تتسم مصر بالوحدة الحاضنة للتنوع، الذي يمثل مصدر غنى وثراء للشخصية المصرية.
نقلا عن جريدة  الأهرام