بقلم : سحر الجعارة

فى مشهد شديد البلاغة تبدأ عملية «توريث الدين» بوفاة الشيخ مدين: (المنبر لمحارب، البيت ليسرى، المسبحة لعرفات).. هكذا بدأ الصراع الممدود حتى الآن كما كتبه بحرفية ومهارة شديدين الكاتب «عبدالرحيم كمال»، الذى رسم الشخصيات من الداخل ولم يكتفِ بدوافعهم وطموحهم.

 
يدور الصراع فى حقبة زمنية قديمة منذ أكثر من 100 عام، فى إحدى الجزر الموجودة على البحر، الجزيرة تعيش فى هدوء ويحكمها العجمى «رياض الخولى»، لا يشكل الدين دستوراً موازياً لأحكام العدل كما يطبّقه العجمى، فالعادات والتقاليد كفيلة بالقصاص للمقتولة وتوزيع الثروات بين الفقراء والأغنياء.. حتى يتوحش طموح محارب «فتحى عبدالوهاب» وتتملكه الرغبة فى حكم الجزيرة «من المنبر» ولا يتردّد من أجل طموحه الجارف للسلطة فى الاستيلاء على أموال «صندوق النذور» وتكوين «ميليشيات» يتولى اختيارها وتدريبها ثم يستعين، فى مرحلة متقدمة، بمطاريد الجبل المدججين بالسلاح لانتزاع السلطة من العجمى.
 
وبينما يستغل «محارب» المنبر لتحقيق أهدافه، يصعد نجم عرفات «أحمد أمين» وهو يجسّد «القلب» المنزه عن المصالح والأهواء الشخصية، ويعلّم الناس الحب، ذلك الذى يكرهه المدرس تماماً كما يكرهه خلدون (طارق لطفى)، الذى يُجسّد رمزية «الشيطان» الذى يُسقط الجزر الآمنة بتغييب الناس بالمخدرات والغواية والتلاعب بغرائزهم، بما فيها «شهوة السلطة».. مستخدماً العايقة (مى عز الدين) تلك الملهوفة لنيل حريتها وكأنها أرض محتلة، وهى المغصوبة على أداء دورها الكريه واستغلال أنوثتها لإخضاع الجميع.. إنها النموذج المضاد لهلالة «وفاء عامر»، التى تتزوج سراً من العجمى وحين تطلق منه تسانده فى معاركه، وتحتفظ بحبها سراً حرصاً على مشاعر عروسه.
 
فى خطوط متوازية ومتقاطعة من تضارب المصالح السياسية والاقتصادية، يكتفى يسرى (محمد جمعة) ببيع الخرافة وتسويق الدجل بين الناس.. ويحتدم الصراع بتحالف بطلان (محمود البزاوى) الطامع فى السلطة، مع المنبر والدجل وميليشيات الجبل.. حفاظاً على حياة ابنه الفاسد المتورط فى جريمة اغتصاب وقتل.. وكأنك تعيش مشهداً كنت طرفاً فيه: أنت من أهل الجزيرة، تخشى خرافة «الزوبعة»، التى حذر منها الشيخ مدين، تعيش حول خط الفقر بسبب الديون المتراكمة ومقامرتك على حاضرك.. قلبك يميل إلى «عرفات» لكن عصا «محارب» ترهبك.. تخضع لتقسيم الجزيرة وبناء سور عالٍ بين ضفتى الجزيرة، لتكون مدرسة ابنك هناك ومسجدك هنا.. ديرك هناك و«خلدون» ينشر الفتنة هنا!
 
سوف ترى كيف يُدار «الصراع على السلطة» وتستخدم فيه كل الأسلحة غير المشروعة.
 
غالباً تصدق معجزات «عرفات» الذى طار فى الهواء، أو اخترق الحائط بعدما تعجز عن حل مشكلاتك، ثم تحار لمن السلطة: لمحارب أم بطلان أم العجمى.. وقلبك الميال للصوفية والمعجزات والكرامات ينتظر «معجزة» تحل ما عجز عنه، بينما صاحب المعجزات غارق فى التيه.
 
حين يقفز «خلدون» على السلطة تدرك أنك أمام قصة تصلح لكل زمان ومكان، ويمكن تفسيرها من زوايا متعدّدة وفقاً لفهم ورؤية كل متلقٍّ، كما يمكن إسقاطها على واقعنا المعاصر بتأويلات مختلفة.. لدرجة يمكنك معها أن تسمى الشخصيات التى رسمها الكاتب من خياله بأسماء واقعية.
 
«محارب» رمز -لا يخفى على أحد- لجبروت الكهنوت الدينى، فهو الذى يتعامل مع البشر بغل ودهاء وكراهية لكل ما عداه.. ولا يرى فى المرآة إلا تضخم ذاته، يملك أقدم أداة تاريخية للحكم «سلاح التكفير»، أى الترهيب، ويؤسس بنفسه «ميليشيات مسلحة» ليستولى على السلطة، ولا يخجل من نسب «كرامات» وهمية لنفسه، ولا من الاستعانة بشاهد زور.. هكذا يتعرى الحكم الدينى الذى يتواطأ مع القتلة ولا يتورع عن قتل الأبرياء أو نهب ثرواتهم أو إغلاق دور عباداتهم.. الحكم الدينى الذى يضم جناح «الدجل والشعوذة» ويتحالف مع «الشيطان» فقط ليسيطر على مقاليد الحكم. الكل خائف من «الزوبعة».. فلن ينجو منها أحد إلا أصحاب القلوب النقية الذين كشفوا الغمام عن عقولهم.. فرأوا حكمة الله: (الحكم ليس لمن غلب.. «الحكم لمن عدل»).
 
نقلا عن الوطن