قلم نبيل صموئيل
هل يمكن ان تكون فضيله الإحسان وأعمال الرحمه طريقا معتادا لصناعه الإفقار والفقراء،
سؤال مربك ومستفز،
ففعل الخير والإحسان والرحمه كلها اعمال مطلوبه وتنبع من ادياننا السمحه،،
والسؤال هنا كيف نقوم بذلك؟ وكيف نُقوْم ما نقوم به حتي تأتي هذه الأعمال بثمارها الطيبه؟
ويبدو لي أننا سواء بوعي او بدونه نشارك في عمليه صناعه الفقر والفقراء بطرق واساليب متعدده، وسواء بحسن النوايا أو بسوئها.
فعندما نتأمل معا في بعض المظاهر والمسالك التي تنتشر هذه الايام ونتعمق في تاثيرها نكتشف أننا نُسهم بل وربما نشترك في هذه الصناعه.
فها هي الأعمال الضخمه والمكلفة بالملايين وربما المليارات من الاعلانات المتلفزة وعبر شاشات عده وغيرها وذلك من جمعيات ومؤسسات كبري تستهدف جمع تبرعات ضخمه لمشروعات صحيه وخلافه، ويتم ذلك إما بتصوير للفقراء سواء مرضي أو حالات بؤس شديد، وبتصوير هذه الأعمال الضخمه جدا، وبإستضافه شخصيات عامه لإظهار أهميه هذه الأعمال.
وتتكرر هذ الاعلانات عده مرات في اليوم الواحد، وفي عده قنوات وهو ما يؤدي وعبر فتره طويله من الزمن الي إنتظار الملايين من الفقراء لأعمال هذه المشروعات الضخمه، وعبر الوقت الطويل والانتظار وتدريجيا تتسرب التواكليه والتسليم دون بذل اي مجهود لمواجهه الظروف التي تواجه هؤلاء الفقراء.
وفي إطار آخر لصناعه الفقر وعبر فتره من الزمان تطورت ما يمكن ان نطلق عليه "صناعه الإطعام"، فلم تعد كراتينا من الطعام توزع هنا وهناك وفي مواسم معينه كشهر رمضان الكريم، بل تعدتها بكثير الي مؤسسات ضخمه لديها معدات كبيره للجمع والتعبئه والنقل وأصبحنا نري سيارات أو لوريات حديثه ضخمه جدا لنقل هذا الطعام، وتشترك جهات عديده من الجمعيات والمؤسسات في إستخدام هذه المعدات واللوريات وبها إعلانات واضحه عليها تُظهر انها لإطعام الفقراء والغلابا.
وهو ما يزيد من حده إنتظار الفقراء لهذا الطعام وعبر الوقت يصبح العمل لتغطيه نفقات الحياه للبعض منهم القادر علي العمل غير ذي جدوي لأن هناك من يُعينهم ويقوم علي سداد إحتياجاتهم.
يحدث هذا بينما لدينا ومنذ عقودا طويله من الزمان اكثر من ٤٠ ألف جمعيه تعمل في أنحاء مصر وفي المجتمعات المحليه وغالبيتهم جمعيات إحسان وإغاثه، والقليل منهم يعملون علي تنميه وتمكين الفقراء من العمل الجاد والمٌجود وتطويره وتحديثه، وغالبيه هؤلاء ايضا يعملون علي مستوي الفرد فقط مما قد يعيق هؤلاء الفقراء علي تخطي خط الفقر المحدد لدينا، لكن يعاون البعض علي تخطي خط الفقر المدقع، والقليل جدا جدا من الجمعيات التي تعمل علي عمليه التمكين بدأت علي طريق تمكين الأفراد معا لتكوين مجموعات وكيانات إقتصاديه كالتعاونيات وخلافه. وهو الطريق الأفضل للخروج من دائره الفقر.
وعلي الجانب الآخر هناك المؤسسات الرسميه كوزارة التضامن وغيرها من الوزارات والمصالح التي تقوم إما بتوفير إحتياجات الفقراء أو بتمكينهم مثل تكافل وكرامه وغيرها، والتي ارجو أن يتم دوريا تقيمها لمدي تحقيق اهدافها.
وهناك بالطبع ما تقوم به الاحزاب السياسيه من محاولات لخدمه الفقراء (وهو بالطبع ليس دورها) سواء كان ذلك فعلا خدمه للفقراء أو توظيفا لاموالهم لصالح كسب الأصوات الإنتخابيه، وهذا بالفعل يساهم في زياده حده اتكاليه الفقراء علي مصادر عده كما وصفنا سابقا تغطي إحتياجاتها، وهو ما يكرس استمرار تكاسل القادرين علي العمل لمعاونه أنفسهم لمواجهه أعباء الحياه.
هذا الي جانب ما تقدمه تقريبا كل المؤسسات الدينيه إسلاميه ومسيحيه من خدمات إغاثية ومعينات للإحسان لملايين من الفقراء وغالبا دون تمييز بين القادرين علي العمل وغير القادرين.
وهنا يجب أن نسال أيضا سؤالا هاما كيف نحفظ كرامه المحتاجين لهذه الخدمات دون الإساءه إليهم بالتصوير وخلافه؟
والمشكله هنا ايضا ان بعض هؤلاء المستهدفين من هذه البرامج واللذين إستمرءوا الحياه السهله دون تعب أو عناء في البحث عن لقمه العيش ومن القادرين منهم اصبحوا من الخبره والمعرفه للحصول علي ما يطمعون فيه من كل هذا الجهات،
فكيف نعاون هؤلاء علي الخروج من ذلك للعمل الجاد مع حفظ كرامتهم؟.
وبالصورة الكليه هذه وغيرها وتجميعها في مشهد واحد يظهر لنا أننا نشترك جميعا بوعي أو بغير وعي، بحسن نيه أو بسوئها في صناعه الإفقار والفقر وزياده حدته.
فهل نستطيع معا ان نغير هذه التوجهات لتمكين الفقراء من الحياه الكريمه فعلا وحقا؟



