لم يكن الدرس انتهى بعد ..كان تلاميذ الصف الأول الإبتدائي يقرأون الأناشيد وراء معلمتهم أبلة "هدى" ويتناولون الحلوى التي منحتها لهم .كان يوماً عادياً لم ينذر بأي كارثة .جاء أزيز الطائرات مفزعاَ وحلقت الطائرات على ارتفاع قريب فهرع الأطفال نحوي فأحتضنت منهم من وسع ذراعي احتضانهم واستلقينا أسفل الطاولات الدراسية لكن الانفجار كان عنيفاً والدخان حجب رؤيتي عن باقي الأطفال ...هكذا جاءت كلمات هدى الشرقاوي مدرسة اللغة العربية بمدرسة بحر البقر الابتدائية بمحافظة الشرقية وشاهدة العيان الوحيدة على المذبحة التي راح ضحيتها نحو 31 طفلاً ومدرسا في 8 ابريل 1970 .
مر نحو 49 عاماً على المجزرة التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية في حق البراءة والطفولة لكن لازالت تفاصيل هذا اليوم عالقة في ذهن أبلة "هدى" كما كان يناديها تلاميذها ..ولاتزال الدموع عالقة في عيونها وهي تتذكر أجساد تلاميذها المتناثرة داخل الفصل وبين الطرقات وصديقتها الشابة التي مزقت الشظايا جسدها .
تقول هدى الشرقاوي مدير عام بالتربية والتعليم على المعاش وشاهدة العيان الوحيدة على مذبحة مدرسة بحر البقر في حديثها مع الوفد "كان أول تعييني مدرسة لغة عربية بمدرسة بحر البقر الابتدائية في أكتوبر 1970 .كنا خمسة من المدرسات وكانت المدرسة حديثة الإنشاء وتم تعيينا فيها .واضطررت لتأجير سكن مع زميلاتي للإقامة به لأن القرية كانت تبعد عن مدينة الزقازيق نحو ساعتين تقريباً ".
وتضيف "المدرسة كان بها نحو 3 فصول فقط وكان عدد المدرسين بها 7 منهم 5 مدرسات حديثات التخرج و2 مدرسين بالإضافة لمدير المدرسة و تبعد المدرسة نحو 10 كيلو مترات عن الضفة الغربية لقناة السويس "جبهة القتال ".وعادة ما كنا نسمع أصوات الطيارات والمدفعية ولكن لم يجول بخاطرنا يوماً ان يتجرأ الطيران الإسرائيلي ويقصف اهداف مدنية ".
وتابعت " أتذكر تفاصيل يوم 8 ابريل جيداً .عندما طلبت مني احدى الزميلات ان احضر الحصة الأخيرة مع طلبة الصف الأول الابتدائي ورغم ان ذلك ليس تخصصي الا ان القدر ساقني في هذا التوقيت لأكون مع هؤلاء الأطفال .قبيل القصف بدقائق قمت بتوزيع الحلوى على الأطفال وبدأت معهم في ترديد الأناشيد."
,وأضافت "كان اليوم الدراسي قد اوشك على الانتهاء كنا في الحصة الأخيرة و صوت الطائرات مرعب ويقترب منا حتى ان الأطفال صرخوا وهرعوا نحوي فاحتضنت منهم من وسعهم حضني وحينها سمعت صراخ الأطفال في الفصول المجاورة ولمحت سور المدرسة يتهدم وبسرعة اخذت من احتضنتهم وهبطت بهم اسفل طاولة الدراسة حينها أصاب عيني شظية ولكنني لم انتبه لنفسي وكان همي ان انقذ من استطعت من الأطفال ولكنني فقدت الوعي .ولا ادري حتى الان ما الذي افقدني الوعي هول المشهد ام الإصابة التي بسببها فقدت بصري في عيني اليسرى حتى الان ."
وأضافت " استعدت وعي عندما جاءت سيارات الإسعاف والصليب الأحمر وتم انتشالنا من تحت الأنقاض وكان المشهد مروع .رائحة الموت في كل مكان ..والدخان متصاعد ورائحة البارود ...المشهد كان مفزع ..الدماء غطت كل شيء والشظايا مزقت أجساد الصغار والكتب والكراكيس واحذية الأطفال متناثرة هنا وهناك .وعلمت وانا في سيارة الإسعاف ان الأطفال الوحيدون الذين نجوا من المذبحة هم الأطفال الذين احتضنتهم اما البقية فقد استشهدوا حتى زميلتي "زينات"لقت هي الأخرى حتفها .
وتابعت " انتقلت لمستشفى الحسينية ومنها لمستشفيات بالزقازيق والقاهرة لعلاجي ولكن كانت إرادة الله وفقدت النظر بعيني اليسرى وتم تركيب جسم زجاجي ليبقى مظهرها الخارجي كما هو .ولكنني احتسب ان عضو من جسدي سبقني للجنة وشاهد لي عند الله يوم القيامة "
وأضافت " عانيت بعد الهجوم كثيراً بسبب الألم النفسي الذي احل بي من هول المشاهد وخضعت للعلاج النفسي حتى استطيع ان اتجاوز المحنة واستكمل حياتي وجاء نصر أكتوبر بعدها ليثأر لهؤلاء الأطفال ولكل الأبرياء الذين طالت براثن العدو الاثمة "
وتقول "نحن لازالنا في حرب مع العدو .وان كان العدو في الماضي معروف للجميع لكن الحرب الان اكثر صعوبة لان العدو متلون وغير محدد "وتضيف "وقت الحادث كنت مخطوبة واصر خطيبي عقب انتهاء علاجي على الزواج وبالفعل تزوجنا واكرمني الله بثلاثة أبناء .وهم احمد نحلة دكتوراه في التنمية البشرية وإسلام صيدلي وصاحب شركة ادوية وايناس اخصائية اجتماعية .والحمد لله عندي 12 حفيد وحفيدة وانا فخورة باصاباتي واعتبرها وسام على صدري "
وأنهت حديثها "أتمنى ان اقابل الرئيس عبد الفتاح السيسي لاقدم له التحية على ما يبذله من اجل الوطن "





