CET 00:00:00 - 09/11/2009

مساحة رأي

بقلم: يوسف سيدهم
أواصل ما بدأته الأسبوع الماضي من استعراض نماذج من أحكام القضاء المصري تثبت أن ما نعاني منه اليوم - ومنذ أكثر من ثلاثة عقود-من حساسيات ومشاكل ناتجة عن الشح في تراخيص بناء وتدعيم الكنائس لا شأن له بالدستور أو القوانين في مصر إنما هو واقع غريب دخيل علينا تخلقه وترعاه السلطة الإدارية والأمنية... وبعد أن عرضت حكم مجلس الدولة في هذا الخصوص الصادر في عام1952 والذي يؤصل حق أي مواطن في إقامة الشعائر الدينية في مبني يملكه بغض النظر عن كون ذلك المبني مرخصاً ككنيسة من عدمه، أعرض اليوم لنماذج أخري من هذه الأحكام فيما يلي:
محكمة النقض تحكم بجواز عقد الاجتماعات الدينية في أي محل كان غير أماكن العبادة بدون إخطار رسمي: وتتلخص الوقائع في أنه في عام1923 بينما كان أحد رجال الدين المسيحي ويدعي القمص سرجيوس يلقي مواعظه ويقيم الشعائر الدينية في مكان أعده لذلك بشارع الفجالة،
قام بوليس قسم الأزبكية بالقبض عليه وأحاله إلي النيابة التي وجهت إليه تهمة تنظيم اجتماعات عامة بدون إخطار المحافظة وقدمته للمحاكمة طالبة عقابه بموجب قانون الاجتماعات رقم14 لسنة 1923.

حكمت محكمة الجنح الجزئية بالأزبكية ببراءة القمص سرجيوس من التهمة الموجهة إليه، فقامت النيابة باستئناف الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف، فما كان من النيابة إلا أن تقدمت إلي محكمة النقض بدعوي نقض الحكم المقيدة برقم1781 لسنة41 قضائية وكانت هيئة المحكمة مشكلة برئاسة صاحب المعالي أحمد طلعت باشا- رئيس محكمة النقض- وعضوية المستشارين أحمد عرفان باشا وعلي سالم بك وعلي زكي العرابي بك - رئيس نيابة الاستئناف- وأصدرت حكمها برفض دعوي النقض في الموضوع حيث نص الحكم علي الآتي:«...حيث إن طلب النقض المرفوع من النيابة قد أخطأ في فهم الغرض المقصود من القانون رقم14لسنة 1923 لأنه لم يكن يرمي إلي منع الاجتماعات الدينية في أي محل كان، ولاسيما أن دستور الدولة المصرية يقضي بحرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، بل بالعكس قصد القانون رقم14سنة1923 منع استعمال أماكن العبادة لأي اجتماعات من نوع آخر...

وحيث إنه في هذه الحالة وبما أن الاجتماع الذي عقده المتهم(القمص سرجيوس) كان اجتماعاً خاصاً بالوعظ والإرشاد الديني فقط، وليس من الاجتماعات المنصوص عليها بالمادة الثالثة من القانون المشار إليه، فلم يكن هناك لزوم لإخطار رسمي لأي جهة سواء كان الاجتماع منعقداً في أحد أماكن العبادة أو غيرها، وبناء علي ذلك يكون حكم البراءة في محله ويتعين رفض الطعن حكم محكمة النقض في جلستها العلنية بتاريخ الخميس 6/11/1924». تعقيب لابد منه:يمر هذا الأسبوع 85عاماً علي صدور هذا الحكم وما تزال السلطات الأمنية والإدارية تتجاهله وتتعقب الاجتماعات الدينية والشعائر التي يقيمها المسيحيون في غير كنائسهم بالتهديد والوعيد والإرهاب والانقضاض عليها لإيقافها بدعوي مخالفتها للقانون، وما يساعدها علي ذلك جهل المعنيين بهذه الاجتماعات بحقوقهم وبالقانون وخضوعهم صاغرين لإرهاب السلطة التي تحرمهم من الكنائس ثم تمنعهم من الصلاة في غير الكنائس.

محكمة سمالوط الوطنية تحكم بجواز إقامة الشعائر الدينية من صلاة ووعظ وإرشاد وترنيم بمحل سكن القسيس(منزله):كان ذلك عام1953 والقضية مرفوعة من النيابة العمومية برقم2677م لسنة1953ضد القس وديع عطاالله ميخائيل وتتلخص وقائعها في الشكوي المقدمة من أحمد إبراهيم أحمد بتاريخ 24/8/1953 بأن القس المذكور يشغل سكناً بجواره واعتاد أن يتردد عليه بعض الأشخاص ويحدثون ضوضاء ويقومون بأعمال شعوذة ويطلب منعهم من القيام بتلك الأعمال....وبسؤال القس قرر أنه أنشأ جمعية للصلاة والترنيم في مسكنه وأعده للصلاة فيه، لكن النيابة نسبت إليه تهمة إحداث لغط وتكدير راحة السكان وطلبت معاقبته بالمادة 38 ع...
.وقامت هيئة المحكمة بنظر الدعوي برئاسة حضرة الأستاذ القاضي محمد أبو يوسف وجاء في حيثيات الحكم:«...حيث إن اللغط الذي قصدته المادة 38 من قانون المرافعات هو الذي يحدث في غير أحوال العبادة والصلاة، أما حالتنا فهي كمن اعتادوا تلاوة القرآن بصوت مسموع أو إلقاء الشعائر الدينية بين جماعة من الناس، لذلك تري المحكمة أن التهمة علي غير أساس ويتعين الحكم ببراءة المتهم مما هو منسوب إليه عملاً بالمادة 1304ج». هذه نماذج من أحكام القضاء المصري تؤصل حرية العبادة والصلاة وإقامة الشعائر الدينية في أي مكان سواء كان كنيسة أو جمعية أو مسكناً خاصاً تم إعداده لذلك طالما تتوفر له عوامل الوقار والاحترام والطهارة اللائقة بالعبادة...لكن يبرز السؤال الصارخ:كيف تآكلت واندثرت هذه الأحكام بفعل الزمن وغابت عن الوعي المصري بالدرجة التي سمحت للسلطة الإدارية والأمنية أن تصادرها وتعتم عليها وتفرض بدلاً منها مفاهيم مريضة تبسط من خلالها خنق حرية العبادة والصلاة؟...

إنني لا أدع هذا الملف يغلق قبل أن أعيد نشر ما جاء في حكم مجلس الدولة عام1952حين قال:..إن اشتراط ترخيص في إنشاء دور العبادة علي نحو ما جاء في الخط الهمايوني لا يجوز أن يتخذ ذريعة لإقامة عقبات لا مبرر لها تحول دون إنشاء هذه الدور مما لا يتفق مع حرية إقامة الشعائر الدينية، إذ إن الترخيص المنصوص عليه في هذا الخط الهمايوني لم يقصد به عرقلة إقامة الشعائر الدينية بل أريد به أن يراعي في إنشاء دور العبادة الشروط اللازمة التي تكفل أن تكون هذه الدور قائمة في بيئة محترمة تتفق مع وقار الشعائر الدينية وطهارتها، حتي إذا ما استوفيت هذه الشروط وروعيت الإجراءات تعين صدور الترخيص في مدة يعينها التشريع، فإذا لم يصدر الترخيص في هذه المدة كان الطالب في حل من إقامة دار العبادة التي طلب الترخيص بإنشائها...ولا يسع المحكمة إلي أن يصدر التشريع المشار إليه إلا أن تبسط رقابتها علي تصرفات الإدارة في الإذن بإقامة دور العبادة حتي تطمئن إلي أنه ليس ثمة تعسف في حبس هذا الإذن أو تلكؤ في إصداره. ويسعدني أن أهدي هذا الحكم إلي كل من:
مجلس الدولة بتشكيله الحالي.
مجلسي الشعب والشوري في مستهل الدورة البرلمانية التي نحن علي أبوابها.
حكومة الحزب الوطني الديمقراطي وهي تضع الأجندة التشريعية للانعقاد البرلماني المقبل.

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ١ صوت عدد التعليقات: ٠ تعليق