CET 00:00:00 - 17/07/2009

مساحة رأي

بقلم: القس رفعت فكري
إن العنف والإرهاب والتدمير هي كلمات فرضت نفسها بقوة في الآونة الأخيرة ، وأوجدت لنفسها مكاناً بارزاً في قاموس حياتنا اليومية ، كما أنها احتلت مساحات شاسعة في كل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية. وإن كان العنف الدموي بدأ في تاريخ العالم عندما قام قايين علي أخيه هابيل وقتله ، إلا أنه في عصرنا الحاضر أصبح مشكلة المشاكل حيث أنه اتخذ لنفسه أشكالاً وصوراً متعددة ومتنوعة ، فبعد أن كان العنف مقصوراً على أماكن معينة ومحددة في العالم ،  أصبح الآن متغلغلاً في معظم بقاع الأرض حتى أنه طال الدول الكبرى التي كانت تظن أنها تستطيع أن تؤمن وتحمي نفسها !! وأصبحت صناعة الحروب هي الصناعة الأولى الرائجة في العالم ، وإنه لمن المؤسف أن يكون القرن العشرين الذي يعتبر قرن القمة في التمدين والحضارة ،  والذي فيه تغلب الإنسان على الكثير من المشكلات ومن الأمراض الفتاكة ، واخترع فيه الكثير من الاختراعات الباهرة ، وارتاد فيه الفضاء في رحلات ناجحة ووطأ فيه سطح القمر ، من المؤسف أن نقول أن قتلى الحروب في هذا القرن يفوق كثيراً الذين قتلوا في الحروب الماضية في كل تاريخ البشرية السابق !!

 أين السلام ؟!!  هل أصبح السلام حُلماً تلاشت معالمه مع نهار الحياة المؤلمة ؟!! وهل أصبح لحناً ضاع صداه وسط ضوضاء الحروب المزعجة ؟!!  لقد أصبحت كلمة السلام اليوم في عالم الخيال ، وأصبح الناس ينظرون إلى السلام كما ينظرون إلى حُلم جميل عذب صعب المنال يتراءى في أعماق الغيب ، وصار كل شخص لا يذكر هذه الكلمة إلا وقلبه يتقطع من الحزن والأسى ، فما أغزر الدموع  التي تسيل مدراراً وما أكثر الدماء التي تسفك أنهاراً ، فالدول من حولنا تحارب بعضها بعضاً ، والإنسان يقتل أخاه في الإنسانية ، والقوي يريد أن يفتك بالضعيف ، والغني يصم آذانه عن سماع تأوهات الفقير ، لقد فقد عالمنا هدوءه وسلامه وأصبحنا نعيش في شبه غابة موحشة يتصارع فيها المخلب والناب ، غابة صار فيها البقاء للأقوى وأضحت الاستمرارية  للعنيف الأمر الذي جعل أحدهم يقول (إنه لو أتيح لشخص أن يتوجه إلى المريخ ليقدم تقريراً عن العمل الرئيسي الذي يقوم به سكان الأرض لكانت خلاصة قوله إن سكان الأرض التي جئت منها كثيرو الخصام شديدو الأنانية وأهم ما يشغلهم هو الحرب والعنف وهم بعيدون تماماً عن حياة السلام ). وبلغة يائسة قال آخر ( لو كان لعالمنا باباً لرسمنا عليه صورة حمامة بريئة هادئة تحمل غصن زيتون أخضر وكتبنا تحتها بلون أحمر خرج ولم يعد !! ).
 إن الإنسان في حاجة دائمة إلى السلام ، فالسلام هو حُلم الإنسانية المتعبة ، وأمل النفس الخائفة المضطربة ، وهو الرجاء الباسم الذي يتطلع إليه عالم اليوم ، إنه حاجة الأغنياء والفقراء ، حاجة العظماء والأدنياء ، إنه حاجة البشرية جمعاء بغير استثناء.
ولا جدال في أن السلام هو أسمى الأحاسيس في هذا الوجود ، وعلى الرغم من ذلك في أحيان كثيرة يكون الإنسان في خصام مع نفسه ،  والسبب الرئيسي لخصام الإنسان مع نفسه هو فقدانه للسلام مع الله ،  فالشخص الذي يعيش في سلام مع الله لابد أن يتمتع بسلام داخلي ، سلام القلب والعقل والفكر والضمير. يعيش هذا الإنسان في سلام داخلي لأنه يؤمن بعناية الله وحفظه.

إن صنع السلام يأتي أولاً في قلب الإنسان وضميره ،  ففي قلب كل إنسان معركة حامية الوطيس بين الخير والشر ، والشخص الذي يربح هذه المعركة في جانب الخير يصنع سلاماً لنفسه ، ويجعل قلبه كله ملكاً لله ، ففي داخل كل إنسان يوجد صراع بين طاعة الله وطاعة إبليس ،  وهذا الصراع يضَيع سلام الإنسان ويجعله دائماً في حرب روحية يقول عنها الكتاب المقدس على فم الرسول بولس ( اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون مالا تريدون ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضا بحسب الروح ) غلاطية 5 : 16 , 17 , 24 , 25  

ولكي نصنع السلام بيننا وبين أنفسنا لابد أن نفعل عدة أمور:-
1-لابد أن يتفق ظاهرنا مع باطننا وأن يتفق خارجنا مع داخلنا ، ولابد أن نكون في السيرة كما في السريرة ، فالتقوى الخارجية لا يمكن أن تجتمع مع الفساد الداخلي ، والتدين الشكلي مهما كان جميلاً ومبالغاً فيه فهو لا يمكن أن يجلب للإنسان السعادة الحقيقية.
2-لكي نصنع السلام بيننا وبين أنفسنا لابد أن ننسى الماضي بكل ما فيه من جراح وآلام سواء من المقربين أو من البعيدين ، فالماضي بكل مآسيه قد مضى وعبَر ولا يمكن أن يعود ثانية ، والإنسان الحكيم هو الذي يتخذ من الماضي العبرة والدرس ولكنه لا يجعل أحداث الماضي المزعجة والمؤلمة تفقده أمنه وسلامه ،  إن الإنسان الحكيم الذي يريد أن يحيا في سلام مع نفسه عليه أن ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام  ، وهو الذي يقول مع كل إشراقة شمس ( هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنفرح ولنبتهج فيه ) .

3-لكي نصنع السلام بيننا وبين أنفسنا نحتاج لأن نُفَرغ عقولنا من المخاوف والأحقاد والأحزان ، فهذه الأمور متى سيطرت على تفكيرنا فهي تفقدنا الأمن الداخلي والسلام القلبي .
4-لكي نصنع السلام بيننا وبين أنفسنا نحتاج دائماً لأن نردد بصوت مسموع كلمات الطمأنينة والهدوء ، ونبتعد تماماً عن الكلمات السلبية التي تفقدنا السلام والهدوء ، وكذلك يلزمنا أن نفكر في الأفكار الإيجابية المليئة بالسلام ،  والرسول بولس في رسالته إلى كنيسة فيلبي يحض على هذا النوع من التفكير ( أخيراً أيها الأخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا ) فيلبي 4 :8
قارئي العزيز إنني من كل قلبي أدعوك لأن تتصالح مع الله خالقك وجابلك وفاديك حيث أنه لا سلام قال إلهي للأشرار ، وحينئذ فقط ستتمتع بسلام النفس والقلب والعقل والضمير.

راعي الكنيسة الإنجيلية بأرض شريف – شبرا مصر
refaatfikry@hotmail.com

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٣ صوت عدد التعليقات: ٨ تعليق