كمال زاخر
التأسيس فى كل ما نؤمن به يبدأ عند "لاهوت التجسد"، فلا عقائد ولا طقوس بل ولا حياة بغير فاعلية التجسد فى حياتنا، وفيه صرنا "أهل بيت الله"، وهو تعبير نحته ق. بولس الرسول فى رسالته العميقة على ايجازها، وجاء هذا التعبير فى سياق قوله 
"فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ،" (أف 2: 19).
 
والاصحاح الثانى من هذه الرسالة جدير بالقراءة المدققة لكل من يبحث فى العلاقة بين اعضاء جسد المسيح وبينهم وبين شخصه المبارك.
 
نحن إذاً لسنا أهل كتاب بل أهل شخص، بامتداد الزمن واتساع الجغرافيا، مع الذين سبقونا، والآتين بعدنا الى أخر الدهور.
 
والسؤال هل يسقط الموت عضوية المرء فى جسد المسيح؟، بمعنى هل عضويتنا فى هذا الجسد تنتهى بانتهاء حياتنا هنا على الأرض؟. بالتأكيد لا؛ ستظل عضويتنا قائمة، وسنظل نكمل بعضنا بعض، وسنظل نصللى بعضنا لأجل بعض بحسب الوصية.
 
وفى تحديد عبقرى يوجز القداس الكرلسى هذه العلاقة بيننا وبين الذين سبقونا فى الرحيل، فى ختام صلاة المجمع، الذى نذكر فيه بعض من رموزهم؛ يقول الأب الكاهن:
(إننا يا سيدنا لسنا أهلًا أن نتشفع في طوباوية اولئك القديسين بل هم القيام أمام منبر إبنك الوحيد ليكونوا هم عوضًا عنا يتشفعون في مسكنتنا وضعفنا، كن غافرًا لخطايانا تاركًا لآثامنا من أجل طلباتهم المقدسة ومن أجل إسمك العظيم المبارك الذي دعي علينا).
 
وفى مقدمة هذه الصلاة  نصلى لأجل من سبقونا وفى مقدمتهم القديسة العذراء مريم طالبين من الله أن يعطى راخة لنفوسهم:
(أباؤنا وأخوتنا الذين رقدوا إذ قبضت نفوسهم نيحهم ذاكرًا أيضًا جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء أباءنا الأطهار رؤساء الآباء والأنبياء والرسل والمبشرين والإنجيليين والشهداء والمعترفين وكل أرواح الصديقين الذين كملوا في الإيمان)
(وبالأكثر القديسة المملوءة مجدًا العذراء كل حين والدة الإله الطاهرة القديسة مريم والقديس يوحنا السابق المعمدان والشهيد والقديس إستيفانوس أول الشمامسة واول الشهداء والقديس مرقس الرسول الطاهر الإنجيلي والشهيد والبطريرك......) ثم يورد نماذج منالرموز فى مختلف ازمنة الكنيسة.
 
هنا نلمس دفء العائلة، هم يصلون لأجلنا ونحن نصلى لآجلهم، لكن يبقى الغفران حق للرب يسوع منفرداً.
 
ونحن محصنون فى الله الثالوث لذلك نتمتع بشفاعة الروح القدس 
 
"وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا.
وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ." (رو ٨ : ٢٦ و ٢٧)
 
الكنيسة لا تضع وسطاء بيننا وبين الله، بل تؤكد ما قاله الكتاب "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ،" (1 تي 2: 5).
 
ولعلنا نلاحظ هنا نعت القديس بولس للوسيط بأنه "الإنسان" يسوع المسيح، فى واحدة من تداعيات التجسد لحسابنا، الفرق بين شفاعة المسيح - الذى بتجسده يقدر ان يعين المجربين - وبين توسلات من سبقونا، ان شفاعته لا تُرد بل هى فاعلة ومقبولة، بينما شفاعة الأبرار ممن سبقونا هى توسل ورجاء.
 
دعونا نستوعب رؤية الكتاب عنهم وعلاقنا بهم "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ." (عب 13: 7).
 
الحرب شديدة على الكنيسة - التى هى نحن - وعلينا ان ننتبه الى خلاصنا وانتصارنا فيها، حتى نرى الرب فتفرح قلوبنا.