فاروق عطية
    اعتبر السادات حركة التخلص من مناوئيه في 15 مايو الذين أُطلق عليهم مراكز القوى، أنها ثورة جديدة قام بها هو مصححة لثورة عبد الناصر، وراح يحتفل بهذا اليوم كل عام باحتفلات ضخمة نليق بثورته هو التي فاقت عظمتها ثورة عبد الناصر. وقدم السادات نفسه للجماهير على أنه رائد الديمقراطية وأنه لم يقم بثورته التصحيحية ضد مراكز القوي إلا لإعادة الديمقراطية التي غيبها عبد الناصر وسسقوم هو بترسيخها. وكانت ديمقراطيته محاطة بالكثير من الضباب. وفي أول احتفال بثورة 15 مايو ذهب إلى مجلس الأمة وقال في خطابه: "لقد قررت أن آتي إلى هنا لأتحدث إليكم بصفتكم أعضاء محلس الشعب، إن إسم مجلسكم من الآن لم يعد مجلس الأمة، إنما أصبح من اليوم مجلس الشعب".  وتقبل الأعضاء هذا التغيير بكثير من التصفيق.
 
   كانت مشكلة السادات الكبري مع الجيش. كانت القوات المسلحة في ذلك الوفت معدة ومستعدة وموحهة نحو هدف واحد وقاطع هو إزالة آثار العدوان، لكن السادات في قرارة نفسه كان غير مؤمن أو مقتنع بإمكانية الحرب، وكان أيضا مؤمنا بأن عبد الناصر قد وقع في خطأ كبير بعدم اعترافه بأن مصر قد هزمت في الحرب وكان عليه أن يتصرف على هذا الأساس. كما أنه لم يكن مدركا لأهمية علاقة مصر بالاتحاد السوفييتي خاصة في هذه المرحلة الحرجة. كان يري أن مصر في حاجة ماسة لبرنامج انعاش اقتصادي على غرار مشروع مارشال وأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك تنظيما وتمويلا.
 
   ومن الغريب والمثير للدهشة أن أول قرار اتخذه بكامل إرادته بعد أن استتب له الأمر وأصبح الحاكم القعلي لمصر، أنه وقع معاهدة  
للصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي في 27 مايو 1971م، مما أدي لدهشة الأمريكيين وتساءلهم عما يعنيه هذا القرار؟ ولماذا تخلص من أعوانه الذين كانوا يتصورونهم مواليين للاتحاد السوفييتي في خطوة هم اعتبروها خطوة نحو اليمين، ويجدونه يتخذ زاوية حادة نحو اليسار، حتى عبد الناصر نفسه لم يتخذ خطوة مثلها !!.
 
   كانت قراراته متضاربة بمعنى أنه لم يكن واضحا في أي اتجاه يسير هل هو مع السوفييت مقتنعا بجدوي الاعتماد على دعمهم ولذلك وقّع معهم هذه المعاهدة، أم هو مقتنع بأن 99% من أوراق اللعبة في أيدي الولايات المتحدة وأنهم هم أصحاب القدرة على إرغام اسرائيل على الاتسحاب. البعض يرى أن تصرفه هذا ضروري لتحقيق توازن بين القوي العظمى صاحبة القرار، ويخالفه البعض لأن المعاهدة تخل بفكرة عدم الاتحياز لأي من القوتين الأعظم.
 
   في نهايات شهر يونيو 1972م قام الأمير سلطان وزير خارجية السعودية ومعه كمال أدهم بزيارة الفاهرة، واجتمعا بالسادات موضحان له أن التذبذب بين القوتين ليس في صالح حل القضية، وطلبا منه أن يخبرهما بما استقر عليه حتي يخبرا به الولايات المتحدة حتي تبدا بالضغوط الجادة على إسرائيل. كان يعلم أن قرار طرد الخبراء السوفييت سوف يكون قرارا دراماتيكيا وسوف يسعد الولايات المتحدة، ويسلط الأضواء عليه شخصيا ولم يكن لديه رغبة أن يشاركه أحد هذه اللقطة. تصور أن طرد الخبراء السوفييت سوف يسعد الولايات المتحدة لدرجة أنهم سوف يلبون له كل مطالبه. وكانت حساباته خاطئة ففي السياسة لا يدفع أحدا ثمنا لما هو قد حصل عليه مسبقا. في 7 يوليو أطلع السادات الفريق محمد صادق وزير الدفاع بنواياه، الذي اعترته الدهشة ولم يشعر بالسعادة رغم عدائه للسوفييت لعلمه أنهم المصدر الوحيد الذي يمدنا يالسلاح. وفي اليوم التالي أخبر السفير السوفييتي " فلاديمير فينوجرادوف" بقراره الأخير. والغريب أن السوفييت رغم غضبهم من طرد الخبراء قد أرسلو المزيد من الأسلحة كرسالة للجيش المصري أنهم لم ُيقصروا، وربما أرادوا أن يتركوه أمام المعركة التي يتحدث عنها بجيش لا تكون لديه حجة يلومهم بها أمامه ويتهمهم بأنهم هم الذين حجبوا الفرصة عته وحالوا بينه وبين ما كان يريد.
 
   كان السادات دائم البحث عن الأعذار. كان قد أعلن أن عام 1972م سيكون عام الحسم وستكون فيه المعركة لا محالة، وانتهى العام بلا حسم، وكان عذره الذي تذرع به هو انشغال العالم بالحرب التي نشبت بين الهند والباكستان. وأتي عام 1972م ولم تحدث المعركة المنتظرة، وكاد أن يكون العذر هو تأخر السوفييت في إمدادات السلاح، الأمر الذي لم يترك له خيارا غير طرد خبرائهم من مصر، ولكن السوفييت فوتوا عليه الفرصة وقدموا إمدادات من الأسلحة لم يحدث لها مثيل، خصوصا بعد زيارة "الفريق أحمد اسماعيل علي" وزير الدفاع الذي خلف "لفريق محمد صادق" لموسكو. وجاء عام 1973م مشحون بالاحتمالات المنذرة بالمخاطر، بالنسية لجيش طالت مدة تعبئته وكملت استعداداته واستكمل تدريباته علي عملية العبور. ولكن وقع حدث صغير يدا كانبثاق شعاع تور وسط الظلام الدامس. حدث أن انطلق أحد الضباط يوم 12 أكتوبر 1972م يقود وحدة من السيارات الميكانيكية إلي مسجد سيدنا الحسين، وتم القيض عليه بعد محاصرة وحدته، وقال في التحقيق معه أن الوقت قد حان لدخول المعركة مع إسرائيل، وأُعُلن أن هذا الضابط قد فقد توازنه العقلي. وكان "الفريق محمد صادق" هو كبش الفداء، اتهمه السادات بأنه هو سبب تأخر استعداد الجيش المصري للمعركة وأنه قد أهمل الأوامر الصادرة من الرئيس، ولهذا السبب جرت إقالته واستبداله "بالفريق أحمد اسماعيل علي".
 
   لم يكن ضباط القوات المساحة فقط هم من أصابهم الضجر من الوعيد والتسويف، فقد امتد الضحر والقلق إلي كل فئات الشعب المصري الذي عاني كثيرا من التباطوء والتسويف في أخذ الثأر وتحرير تراب  الوطن من رجس احتلال اسرائيل لسيناء والاستفادة من خيراتها. وكان طلبة المدارس والجامعات سباقين في التظاهرات الحاشدة منددة ومطالبة بالحرب المنسية، واعتقلت السُلطة أعداد كبيرة منهم، كما أغلقت العديد من المدارس وكل الجامعات. وفي تلك الفترة أيضا اجنمع صفوة مثقفوا مصر وأدبائها ومفكريها في ضيافة الكاتب الكبير توفيق الحكيم، وكان من المحتم عليهم أن يدلوا بدلوهم في هذا الأمر الجلل وفي النهاية استقر رأيهم علي كتابة خطاب مفتوح إلى الرئيس السادات يتعرضون فيه لعديد من القضايا الهامة من بينها قضايا الشباب كما تعكسها الأوضاع في الجامعات الذين يشعرون باليأس بعد التخرج، حيث سوف يقضون العديد من الستوات كمجندين في الجيش استعدادا لمعركة تبدو ملامحها بعيدة وتزداد بعدا يوما بعد يوم، كما أن المعركة المزعومة تفرض ضريبة فادحة من الموارد الاقتصادية والإنسانية. كما لمّحوا تلميحا مغلفا لفائدة البحث عن حل دبلوماسي إذا عجزنا عن تنفيذ مطلب الحرب. ولم يُنشر هذا الخطاب في مصر للحظر، ولكن بعض الموقعين عليه تمكنوا من نشره في بيروت. وعندما علم السدات طلب من الدكتور عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام والثقافة أن يجتمع بعدد من هؤلاء الكُتاب وعلى الأخص توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويبلغهم بضيقه الشديد من هذا البيان الذي كتبوه. ولم يكتفي السادات بذلك بل في احدي اجتماعاته مع قيادات الاتحاد الاشتراكي هاجم الُكتّاب بقسوة بالغة، وصف فيها توقيق الحكيم بأنه رجل عجوز استبد به الخرف يكتب بقلم يقطر بالحقد الأسود، أراءه انهزامية، ثم أضاف: إتها محنة لرجل رفعته مصر لمكانته الأدبية لمستوى القمة فانحدر إلى الحضيض في أواخر أيامه.
 
   في فبراير 1973م ارسل السادات مستشار الأمن القومي "حافظ اسماعيل"إلي واشتطون للقاء رسمي مع رئيس الولايات المتحدة " ريتشارد تيكسون"، ثم لقاء سري مع نظيره "هتري كيسنجر". لم يسفر هذا الاجتماع السري مع كيسنجر عن شيئ بذكر لعدم اقتناع كيسنجر بجدوى البحث في مشكلة يراها أزمة خامدة وهو لا يقترب إلا من الأزمات الساخنة. كان التسخين ضروريا، كما كان الإلجاج علي التسخين مطلبا وطنيا مصريا وعربيا وقوميا. كانت المخابرات السعودية من أهم المصادر التي يعتمد عليها السادات في معركة النوايا والاتجاهات الأمريكية، وقد نصحه السعوديين كثيرا بالحركة والتسخين مؤكدين أن التسخين سيفرض تفسه على كل الأطراف بما فيهم الولايات المتجدة التي ستجد نفسها مضطرة للضغط على اسرائيل.