فاروق عطية
 مع اختتام قمة جامعة الدول العربية في 28 سبتمبر 1970م (مؤتمر القاهرة الذي عقد بصورة استثنائية 23 - 28 سبتمبر على إثر الإشتباكات العنيفة في الأردن بين الجيش العربي الأردني ومنظمة التحرير الفلسطيتية وسميت بأحداث أيلول الإسود)، بعد ساعات من مرافقة آخر زعيم عربي (الأمير الكويتي الراحل الشيخ صباح السالم) يغادر. أصيب ناصر بنوبة قلبية. تم نقله على الفور إلى منزله، حيث كان أطباؤه يعتنون به. توفي ناصر بعد عدة ساعات، حوالي الساعة 6 مساءً عن عمر 52 ستة. كان هيكل والسادات وتحية زوجة عبد الناصر على فراش الموت. وفقًا لطبيبه "الدكنور الصاوي والدكتور منصور فايز أخصائيا الأمراض الباطنة والقلب"، فإن السبب المحتمل لوفاة عبد الناصر هو تصلب الشرايين، والدوالي، ومضاعفات مرض السكري طويل الأمد، وأنه قد أصيب "بصدمة قلبية وهي أخطر مضاعفات انسداد الشريان التاجي". كان ناصر أيضًا مدخنًا شرهًا وله تاريخ عائلي من أمراض القلب فقد توفي اثنان من إخوته في الخمسينيات من العمر من نفس الحالة. لم تكن حالة ناصر الصحية معروفة للجمهور قبل وفاته. وكان قد أصيب في السابق بنوبات قلبية عامي 1966م و1969م.  
 
   بعد إعلان وفاة عبد الناصر، كانت مصر والعالم العربي في حالة صدمة. حضر موكب جنازته عبر القاهرة في أول أكتوبر ما لا يقل عن خمسة ملايين من المعزين. بدأ الموكب الذي يبلغ طوله حوالي 10 كيلومترات إلى موقع دفنه. تم إرفاق نعشه المغطى بالعلم بعربة مدفعية يجرها ستة خيول ويقودها عمود من الفرسان. وحضر جميع رؤساء الدول العربية، باستثناء الملك فيصل. بكى الملك حسين وعرفات علانية، وأغمي على معمّر القذافي من الضيق التنفسي مرتين. وحضر عدد قليل من كبار الشخصيات غير العربية، بما في ذلك رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيجين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان-دلماس و شوين لاي رئيس وزراء الصين.
 
   مع أن جماهير الشعب المصدوم بوفاة ناصر في عنفوان شبابه كانت تدرك جيدا أنه كان مريضا وخاضعا للعلاج، ولكنه لم يكن يرحم نفسه أو يبخل بصحته على المعركة التي خطط لها واستكمل جميع الاستعدادات لخوضها، وهيأ المناخ العالمي سياسيا لها، وكانت على وشك، إلا أنها كانت تساورها الشكوك في سبب الوفاة. خاصة بعد تلميحات شوين لاي رئيس وزراء الصين الذي نهر مسئولين مصريين، وكان غاضبا جدا عندما شارك في جنازة عبد الناصر وقال: لقد ضحيتم بزعيمكم وتركتموه للسوفييت الذين لم يكونوا أمناء عليه، وأردف قائلا: كيف سمحتم لجمال عبد الناصر أن يموت بهذه البساطة وفي هذه السن؟
 
  استغل صانعوا الشائعات الخلافات التي كانت قائمة بين النظام السوفيتي والصين، وحزن شوين لاي على صديقه عبد الناصر، ليصوبوا أصابع الاتهام الى السوفيت حيث كان الفقيد يعالج في مصحاتهم والمفترض أنهم يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن مرضه فضلا عن أن تقدمهم العلمي يمكن أن يدلهم على سنوات العمر التي يستطيع الجسد أن يقاوم خلالها وكم من السنين يعيشها، ولو أنهم كانوا مخلصين له لفعلوا المستحبل لعلاجه، ولمعرفتهم مدي صلابة الرجل توهموا أن من يجيئ بعده قد يكون أسلس قيادا وأقل تشددا، وبذا كان أول احتمال لموت عبد الناصر قتلا  كان موجها للسوفييت !.
   الاحتمال الثاني كان موجها لإسرائيل، حيث أن إسرائيل معروفة بتقدمها في تخليق المستحضرات القاتلة والضارة وقد جربت إمكانياتها تلك في العديد من العمليات القذرة. كانت مسألة استخدام السم في قتل جمال عبد الناصر تجد فرصا للظهور والانتشار بين وقت وآخر ومازالت، وفي كل مرة تُقدم إسرائيل على عمل من هذا النوع تشتعل المسألة وتكبر من جديد ولعل فضيحة إسرائيل في محاولة اغتيال خالد مشعل بالسم في الأردن أعادت القضية الى الأذهان بقوة، ثم كانت عملية اغتيال ياسر عرفات بالسم التي ذكرها الاستاذ حسنين هيكل مبكرا ثم أصبحت حديث الصحافة العالمية فيما بعد، لعلها أشعلت شائعة مقتل عبد الناصر بالسم من جديد واقترابها من اليقين. ولما كان عبد الناصر عدو إسرائيل الأول ومصدر الخطر على وجودها واستمرارها فقد وُجهت إليها اصابع الاتهام، خاصة بعد أن آثار الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم جدلا كبيرا عام 2009م بعدما صرّح في لقاء متلفز أن الدكتور علي العطيفي عميد معهد العلاج الطبيعي والمدلك الخاص لعبد الناصرهو الذي قتله. قال نجم أن العطيفي اعترف له بذلك في السجن، وأنه فعل ذلك خلال تدليكه بالسم الذي انتشر في جسده وأدى لوفاته تدريجيا.
 
   تقول الشائعة أن أخصائي العلاج الطبيعي علي العطيفي سافر في بعثة دراسية الى الخارج وأن الموساد الإسرائيبلي قد استطاع أن يوقعه في حبائله وتم تجنيده، كما ساعده في الحصول على الدكتوراة التي اكتُشف فيما بعد أنها مزيفة. وعندما عاد إلى مصر سبقته ضجة اعلامية كبيرة فأصبح بين يوم وليلة أشهر اسم بين اخصائي العلاج الطبيعي وتهافتت عليه الأندية الرياضية، واستقبلت عيادته ومركزه الطبي الذي أنشأه بمساعدة إسرائيل العديد من الشخصيات المسؤولة في مصر وذاع صيته حتى بلغ مداه. وحيث أن الرئيس عبد الناصر كان يعاني من ضغط الدم المرتفع ومرض السكري، وكان بحتاج في أوقات كثيرة لعلاج ساقيه نصحه البعض بأن يستعين بعلي العطيفي ليقوم بتولي علاجه، وقد كان. وقيل أن العطيفي قد حصل على أدوية وعقاقير قدمتها له إسرائيل ليمارس بها علاجه لآلام ساقي الزعيم، وأن هذه العقاقير كانت تحتوي على أنواع من السموم التي يصعب اكنشافها وذات أثر تراكمي يتسرب الى الجسد تدريجيًا ويتسبب في الوفاة بعد فترات يعرفها مخترعوا هذه العقاقير.
 
   وقد تأكدت الشائعة عندما أُلقي القبض على (‬على العطيفي) وأُغلقت عيادته ومركزه للعلاج الطبيعي وأُعلن عن عدم أهليته لممارسة المهنة وأن درجته العلمية مزيفة، ونشرت الصحف أخبارا عنها ثم صمتت بعد فترة، وتم القبض عليه وسجنه، وقيل أنه مات في السجن، وطار الخيال بالبعض لدرجة الهمس بأن إسرائيل قد بادلته ببعض الأسرى المصريين وأنها قد تسلمته من السلطات المصرية للعيش هناك معززا مكرما نظير الخدمات الجليلة التي قدمها لإسرائيل.
 
 ثم صُوبت أصابع الاتهام إلي محمد أنور السادات. توجيه الاتهام الى السادات لا يعتمد على أن السادات كان المستفيد الأساسي بعد رحيل عبد الناصر وأنه ضرب رجاله في حركة مفاجئة وضرب نهجه وطريقه بعد أن أقسم أنه سائر على طريق عبد الناصر وانحني أمام تمثاله في مجلس الشعب وعلى مرأي من الملايين، ثم انهال عليه ذما وقدحا وهجومًا أثقل به كتابه "البحث عن الذات" بشكل
سافر يفتقر إلى العديد من المواصفات التي كان يدعيها السادات ويعلن عنها في كل وقت وفي حياة عبد الناصر. لم يكن ذلك سببا
رئيسيا في توجيه أصبع الاتهام للسادات وإنما كانت هناك أخبار تثار هنا وهناك ووقائع نشرتها صحف أجنبية ونقلتها صحف محلية، بل كانت هناك كتب لمفكرين كبار تحدثت عن علاقة وثيقة بين السادات والسيد كمال أدهم رجل الاستخبارات السعودي وصهر العائلة الحاكمة هناك وهو من المعروفين يعلاقاته الوثيقة بوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه)، وقيل أكثر من ذلك حتى أكد كتاب أن عددا من الحكام العرب ومن زمن يحتلّون مواقع في بلدانهم كانوا يتقاضون مساعدات مادية ثابتة من وكالة المخابرات المركزية 
 
الأمريكية، كانت تخطط لاغتيال عبد الناصر فالأمر إذن لا يحتاج الى أكثر من إشارة أو تلميح لتنطلق الشائعة محكمة التصويب الى عقول الناس وضمائرهم.
 
   ثم كانت حجتهم التي صعب وصفها عندما يقارنون بين ما كتبه السادات في حياة عبد الناصر خاصة كتابه"يا ولدي هذا عمك جمال"الذي رفع فيه زعيمه الى مراتب الأنبياء والقديسين وحكي عنه قصصا ومواقف تضعه فوق قدرات وصفات البشر جميعا ثم اختتم كتابه بدعاء الى الله استغرق عدة صحفات يسجد له شكرا أن وهب مصر عبده المؤمن الصادق جمال عبد الناصر، وعندما يقارن الناس بين ذلك وبين ما كنبه في كتابه "البحث عن الذات" بعد رحيل عيد الناصر وفيه ينسخ كل كلمة كنبها في حياته ويلملم عشرات الوقائع والشائعات والرؤي ليثبت للناس عكس ما قاله سابقا ويفتح الطريق أمام السفهاء ليشنوا حملتهم البشعة ضد زعيمه ورئيسه وقائده كما كان يسميه.
 
   وما ذكره محمد حسنين هيكل بعد ذلك في برنامج “مع هيكل”على قناة الجزيرة الفضائية القطرية حول قيام الرئيس الراحل محمد انور السادات باعداد فنجان قهوة بنفسه للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بفندق النيل هيلتون قبل وفاته بثلاثة أيام يعد احتدام الحوار بين عبد الناصر وياسر عرفات على إثر أزمة أيلول الأسود، في معرض طرح هيكل لوجهات النظر التي تحدثت عن احتمال ان تكون وفاة جمال عبد الناصر حدثت نتيجة استهدافه بالقتل.
   أصابع الاتهام صوبت إلي محمد جسنين هيكل أيضا. زعم سامي عبد اللطيف النصف وزير الإعلام الكويتي السابق في تغريدات عبر مواقع الاتصال الاجتماعي أن محمد حسنين هيكل له يد في مقتل عبد الناصر، كما اتهم هيكل بتوريط السادات في وفاة عبد الناصر، وقال أن الدليل على ذلك هو غياب هيكل عن زيارة ضريح ناصر كل عام وتساءل "لقد بقي ناصر آمنا في موقعه لمدة 16 عاما حتى أغضب هيكل فقُتِل"، لكنه لم يقدم دليلا واحدا على ذلك.
   أصابع الاتهام صوبت أيضا إلى النميري وأبو نضال. في رواية أخري يسردها عاطف أبو بكر العضو السابق بمنظمة فتح، فحواها أن رئيس المجلس الثوري الفلسطيني صبري البنا الشهير "بأبو نضال" قد أهدى بالاتفاق مع الرئيس السوداني حينها جعفر النميري عبد الناصر مسدسا مسموما أثناء زيارته معرضا يعرض غنائم أخذت من الجيش الإسرائيلي. قال أن أبو نضال ونميري كانت تربطهما مصالح متبادلة حيث تولي أبو نضال تعقب وتصفية معارضي النميري.
 
   طرح عمر الليثي رواية أخرى في كاتابه "اللحظات الأخيرة لعبد الناصر" أن أشرف مروان أعطاه كوبا من عصير لبيرتقال المحتوي على السم. وهناك شائعة ننتشر في اسرائيل نقول أن حاخامات اليهود مارسوا السحر الأسود ضد عيد الناصر ليقتلوه.
 
   وآقوى الاتهامات وجهتها الشائعات للملك حسين، عندما التقي عبد الناصر بالملك حسين ابان مؤتمر قمة الجامعة العربية بالقاهرة وُضِع أماهما كوبان من عصير البرتقال ويقال أن كوب العصير المخصص للملك حسين كان به سم قاتل يظهر مفعوله بعد فترة وهو نفس السم الذي قُتِل به كلا من الملك فاروق والمشير عبد الحكيم عامر. وكان من عادة الملك حسين التوجس خوفا من الاغتيال بالسم فينتهز فرصة انشغال مستضيفه وعدم انتباهه ويلف بإصبعه الطبق الحامل للكوبين ويمسك بكوب جليسه ليشرب منه، ويكون الكوب الآخر المشكوك في أمره أمام المضيف، وهذا ما حدث وشرب عبد الناصر الكأس المسموم المعد لقتل الملك.