الأقباط متحدون - مستجدات مباحثات سد النهضة
  • ١٩:٤٧
  • الثلاثاء , ٥ ديسمبر ٢٠١٧
English version

مستجدات مباحثات سد النهضة

د. نادر نور الدين

مساحة رأي

٢١: ١١ ص +02:00 EET

الثلاثاء ٥ ديسمبر ٢٠١٧

سد النهضة
سد النهضة

نادر نور الدين محمد
بدأ الطريق إلى سد النهضة قبل ثلاث سنوات من توقيع اتفاقية عنتيبى عام 2010 بجهود إثيوبية حثيثة ضد مصر لاستقطاب دول منابع النيل الأبيض وإلغاء جميع المعاهدات السابقة الخاصة بنهر النيل، واعتبار أن تاريخ نهر النيل يبدأ فقط من عام 2010. الحجة الجاهزة كانت أن جميع المعاهدات السابقة تمت فى زمن استعمار جميع دول المنابع، وبالتالى ينبغى أن تكون هناك معاهدات جديدة بعد الاستقلال. هذا الكلام قد يكون مقبولاً ولو تم منذ خمسين عاماً بعد استقلال هذه الدول فى بدايات ستينات القرن الماضى، أما وأن يتم بعد خمسين عاماً من الاستقلال فهذا يدحض تماما هذا الادعاء، خاصة أن دولة مثل إثيوبيا لم تُحتل فى تاريخها كله إلا لنحو ثلاث سنوات، وبالتالى لا مجال للحديث عن طغيان الاستعمار فهو نفسه الذى رسم حدود هذه الدول ولكنهم قبلوا حدود الاستعمار ورفضوا اتفاقياته الأخرى، رغم أن دولة مثل إثيوبيا تضاعفت مساحتها ثلاث مرات أثناء هذه الحقبة الاستعمارية المظلومة فقد ضموا إليها إقليم أوجادين الصومالى وجميع سكانه من العرب الناطقين باللغة العربية، كما ضموا إليه منطقة بنى شنقول المبنى عليها سد النهضة، بعد تنازل ملك مصر والسودان عنها لإثيوبيا مقابل ضمان تدفقات مياه الأنهار الثلاثة، التى تنبع من إثيوبيا إلى نهر النيل بانتظام وبلا عوائق صناعية.

المهم أين كانت مصر خلال الفترة من 2007 وحتى 2010 وهى ترى إثيوبيا تستقطب دول منابع النيل الأبيض ضدها وهى تقف موقف المشاهد ولم تبذل أى جهدا لاستعادة هذه الدول التى لا ناقة لها ولا جمل فى أطماع إثيوبيا بالهيمنة الكاملة على مياه النيل والتحكم فى مقدرات المصريين.

فجميع أنهار منابع النيل الأبيض تصب فى بحيرة فيكتوريا، والتى تعتمد عليها دول منابع النيل الأبيض فى معيشتهم والصيد بل فى صرفهم أيضا، وبالتالى فسيكونون من الحرص فى مواصفات السدود التى ستقام على هذه الأنهار بما لا يؤثر على منسوب بحيرة فيكتوريا منبع النيل الأبيض، بالإضافة إلى قلة المياه التى ترد من هذا المنبع وتمثل 15% من موارد نهر النيل الكلية بحجم من 12 - 13 مليار متر مكعب فى السنة، وبالتالى فحتى لو نقصت سدود هذا المنبع من هذه الكمية ولو نصفها تستطيع مصر والسودان تحملها، طبقا لاتفاقية 1959، كما أن طول الرحلة للنهر من هناك وحتى مصر كفيلة بتعويض هذا النقص.

عين إثيوبيا على ما يخرج من أراضيها عبر أنهار ثلاثة بحجم 72 مليار متر مكعب والتى تريد السيطرة عليها وتثبت أنها أنهار إثيوبية وليست دولية ولا عابرة للحدود، مطبقة الاستراتيجية التركية فى دجلة والفرات مع سوريا والعراق، وأن تقوم بتطبيق مبدأ السيادة المطلقة على الأنهار المشتركة والتى يمنعها ويجرمها القانون الدولى للمياه، ولكن يبدو أن مصر وقتها كانت مشغولة بالشراكة مع الشمال والغرب عبر الأورومتوسطية والكويز وغيرها، بما جعل وزير الرى يوافق فى التمهيد إلى عنتيبى على التنازل عن شرط الإخطار المسبق وحق الفيتو، وسمح بأن يكون التصويت بالأغلبية وليس بالإجماع أو التوافق كما كنا، وبالتالى تم استخدام دول منابع النيل الأبيض المحبة لمصر كشوكة فى ظهر مصر من أجل نقل الهيمنة على مياه النهر القليلة ليس إلى دول المنابع كما يظن البعض ولكن فى الحقيقة إلى إثيوبيا وحدها، طمعاً فى السيادة الإقليمية على شرق أفريقيا.

فى الجولة السابعة عشرة من مفاوضات سد النهضة جاء الطرفان السودانى الشقيق والإثيوبى فى توافق وتنسيق تام ضد مصر، ومن أجل إفشال عمل المكتب الاستشارى وإفراغه من أى مهام يمكن أن تثبت وتكون مستندا فى يد مصر عن تداعيات السد الأكيدة على مصر، بما أجبر وزير الرى المصرى على إعلان توقف المفاوضات لعدم جدواها بفعل التحايل وعدم الشفافية وفقدان المصداقية فى إثبات تداعيات السد على مصر، والتى إما أن تتطلب تعديلات فى تصميم السد قبل أن ينتهى العمل فيه أو تحدد لمصر تعويضات عن الأضرار التى ستلحق بها بسبب السد، بينما قال الجانب السودانى إن مصر وافقت على السد وبالتالى لا حاجة إلى دراسات ومكاتب استشارية، والأمر منتهٍ!.

ثم خرج علينا الجانب السودانى (الشقيق) بحيلة جديدة لعمل المكتب الاستشارى بأن تكون المرجعية لقياس تدفقات المياه إلى مصر ليس بمياه النيل الأزرق وحده، الذى يبنى عليه السد ويؤثر على مياهه، بل على أساس حصة مصر كلها من مياه النيل، سواء القادمة من إثيوبيا أو دول منابع النيل الأبيض الست؟!

فما دخل مياه النيل الأبيض بالسد الإثيوبى، والمنبعان منفصلان تماما عن بعضهما، ولا يؤثران على بعضهما البعض وكل ما يربطهما أنهما يلتقيان معا عند مدينة الخرطوم؟! ثانيا أن اتفاقية 1959 هى اتفاقية بين مصر والسودان فقط وقانون الأمم المتحدة لمياه الأنهر يسمح بذلك وبأن تكون هناك اتفاقيات بين جميع دول حوض النهر على تقسيم وتحديد حصص المياه أو بعض دوله، وهو ما ينطبق على اتفاقيات 1929 بين مصر والسودان ودول منابع النيل الأبيض أو اتفاقية 1959 بين مصر والسودان فقط، ولكن إثيوبيا لم تعترف أبدا باتفاقية 1959 بل أنكرتها وادعت أن مصر والسودان تقسمان كامل مياه النيل عليهما فقط بعيدا عن باقى دول النهر.

وحقيقة الأمر أن مصر والسودان تقاسما فقط ما تعودا أن يصلا إلى مدينة أسوان من المياه عبر آلاف السنين ولم يكن الأمر استيلاء على مياه النيل بدليل أن نفس الاتفاقية أقرت بحق دول المنابع فى طلب حصص من المياه التى تجرى بين ضفتى النهر، رغم أن دول المنابع يبلغ نصيبها 95% من موارد مياه النهر، ولكنهم لا يرون إلا المياه التى تجرى بين ضفتى النهر فقط.

ولكى تستجيب مصر لهذا الأمر ينبغى أن تعلن إثيوبيا أولاً إقرارها لاتفاقية 1959 ولحصص مصر والسودان من المياه فى هذه الاتفاقية، وبعدها توافق مصر على أن تكون مرجعية لعمل المكتب الاستشارى الفرنسى. الأمر كله أن السودان يريد التخديم على إثيوبيا فى المباحثات، فلجأ إلى هذا الأمر لما لديه من بيانات بأن المياه الواردة من مياه النيل الأبيض تتغير وتزيد كثيرا عن المتوسطات المقررة وأنها وصلت فى بعض السنوات إلى 30 مليار متر مكعب، وليس 13 مليارا فقط، خاصة بعد إنشاء سد أوين ومن بعده سد كيرا على بحيرة فيكتوريا، وما يستلزمه من سحب مياه من البحيرة لضخها إلى توربينات توليد الكهرباء لزيادة إنتاج الكهربا التى تحتاجها إثيوبيا وتصدر بعضها إلى الكونغو.

ولكن حتى هذه الاتفاقية لا تعترف بها إثيوبيا أيضا بل إن اتفاقية عنتيبى، التى جاءت فى مقدمة المقال، قد ألغتها أيضا مع اتفاقية 1959 وفى هذه الحالة ينبغى قانونا لإثيوبيا ودول المنابع إلغاء إتفاقية عنتيبى وإعادة إقرار اتفاقيتى 1929، ثم 1959 ومن قبلهما اتفاقية 1902 (بين مصر وإثيوبيا) فقط لكى يصبح هذا الاتفاق ساريا، أو الإقرار بأن الالتجاء إلى هذا الأمر يعد اعترافا ضمنيا من إثيوبيا ودول المنابع بكل الاتفاقيات التاريخية السابقة؟!.

الأمر الأكيد أن سد النهضة يخص النيل الأزرق فقط، وبالتالى إذا ادعت إثيوبيا أنه لن يضر بمصر والسودان بل سيفيدهما فعليها أن تقر عبر اتفاقية ثلاثية جديدة بأن تحافظ على متوسط تدفقات مياه النيل الأزرق عند نفس مستوياتها قبل بناء السد ولنرجئ الحديث عن حصص مصر والسودان المكتسبة إلى ما بعد إقناع دول منابع النيل الأبيض الصديقة بنوايا إثيوبيا بالهيمنة وحدها على مياه النهر والتحكم فى مقدرات الشعب المصرى وتنصيبها على ولاية منطقة شرق أفريقيا، وهو أمر لن تقبله مصر أبدا. استغلال المياه بهذه الكيفية لا يعنى إلا أن حرب المياه قد بدأت بالفعل.

*كلية الزراعة جامعة القاهرة

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
حمل تطبيق الأقباط متحدون علي أندرويد