محرر الأقباط متحدون
استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح اليوم السبت في قاعدة كليمنتينا بالفاتيكان أعضاء مؤسسة "السنة المائة من أجل الحبر الأعظم"، ووجه لهم كلمة تناول فيها مجموعة من المسائل الإنسانية والاجتماعية والروحية المهمة في ضوء تعليم الكنيسة الاجتماعي، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التي يواجهها العالم المعاصر وسبل بناء مستقبل أكثر إنسانية وتضامنا.
في بداية خطابه رحب الحبر الأعظم بأعضاء مؤسسة "السنة المائة" والمشاركين في الجمعية العامة والمؤتمر الدولي لعام ٢٠٢٦، معبراً عن تقديره لجهودهم في دراسة وتطبيق التعليم الاجتماعي للكنيسة في المجتمع المعاصر. كما أشار إلى أهمية هذا المجال بالنسبة لرسالة الكنيسة، مؤكدا أن رسالته العامة الأولى "الإنسانية الرائعة"Magnifica Humanitas تقدم توجيهات مهمة لفهم القضايا المطروحة ومواجهتها.
بعدها تطرق لاون الرابع عشر إلى موضوع المؤتمر الذي يحمل عنوان "عالم متفتت يبحث عن الروحانية: الحرية والتعددية في التعليم الاجتماعي للكنيسة". وأكد أن هذا الموضوع يعكس واقع البشرية اليوم، حيث يعيش العالم حالة من الحروب المتعددة والاستقطاب المتزايد والانقسامات الثقافية والاجتماعية. ورغم هذه الأوضاع الصعبة، رأى البابا أن هناك مجالًا للأمل، لأن ما يوحد البشر جميعا هو إنسانيتهم المشتركة، وهي أساس التضامن والتفاهم بين الشعوب.
هذا ثم توقف البابا عند الأزمات والتحديات التي تدفع الإنسان إلى طرح الأسئلة الوجودية الكبرى: إلى أين نتجه؟ وما الهدف الذي نسعى إليه؟ وما الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البشرية؟ وهذه الأسئلة تعبر عن بحث الإنسان الدائم عن الحقيقة والمعنى، كما تكشف عن توقه إلى الله ورغبته في إيجاد غاية أسمى لحياته. ورأى الحبر الأعظم أن هذه القدرة على البحث والتساؤل هي من أبرز الهبات التي منحها الله للإنسان، والمتمثلة في العقل والحرية.
تابع البابا خطابه متوقفا عند مفهوم الحرية، وأوضح أن الحرية الحقيقية لا تعني مجرد فعل ما يشاء الإنسان، بل تتجلى في بعدها العلائقي والإنساني. فالإنسان يحقق ذاته عندما يستخدم حريته في خدمة الآخرين وفي بناء علاقات قائمة على المحبة والعطاء المتبادل. واستشهد لاون الرابع عشر في هذا السياق بتعليم القديس البابا يوحنا بولس الثاني الذي يؤكد أن الإنسان يكتمل من خلال بذل الذات وقبول الآخر. وعندما تُفهم الحرية بطريقة فردية مطلقة وتُستخدم لخدمة المصالح الشخصية فقط، فإنها تفقد معناها الحقيقي وتتناقض مع كرامة الإنسان ودعوته الإنسانية.
بعدها تطرق الحبر الأعظم في كلمته إلى أعضاء مؤسسة السنة المئة إلى فكرة "المدينتين" التي طرحها القديس أوغسطينوس: مدينة الإنسان ومدينة الله. فمدينة الإنسان، قال البابا، تقوم على الكبرياء وحب الذات والأنانية، بينما تقوم مدينة الله على محبة الله وخدمة الآخرين وبناء العلاقات الإنسانية السليمة. ومن هذا المنطلق، سلط البابا الضوء على العديد من الأزمات المعاصرة، مثل ضعف الديمقراطيات وتراجع التعاون الدولي، باعتبارها نتيجة أزمة أنثروبولوجية وأخلاقية أعمق تتمثل في نسيان الإنسان لخالقه وفقدانه للرؤية الصحيحة لمعنى وجوده.
مع ذلك دعا البابا الحاضرين إلى عدم الاستسلام للتشاؤم بل حث ضيوفه على المساهمة في بناء حضارة المحبة، مؤكداً أن هذه الحضارة لا تُبنى من خلال أعمال استثنائية أو إنجازات ضخمة فقط، بل من خلال سلسلة من الأعمال اليومية البسيطة والمستمرة التي تعزز الكرامة الإنسانية والتضامن وتقاوم مظاهر اللاإنسانية والتهميش.
لم تخل كلمة الحبر الأعظم من الحديث عن أهمية الحوار باعتباره وسيلة أساسية لبناء مجتمع أكثر عدلًا وسلاما. وأكد أن الحوار الحقيقي يجب أن يقوم على الحقيقة والاحترام المتبادل والاعتراف بكرامة كل إنسان. وعندما يدرك الأفراد أن جميع البشر يتمتعون بكرامة متساوية، يصبح من الممكن تجاوز الأنانية والمصالح الضيقة والعمل من أجل الخير العام. وفي هذا السياق، شدد لاون الرابع عشر على قيمة التعددية السليمة التي تسمح بتقدير مساهمات الأشخاص المنتمين إلى خلفيات وثقافات مختلفة، مما يساهم في تحقيق التعايش السلمي والوحدة داخل التنوع.
في ختام خطابه إلى أعضاء مؤسسة "السنة المائة" عبر البابا عن شكره للمشاركين على جهودهم في نشر وتعزيز التعليم الاجتماعي للكنيسة وخدمة المجتمع، وأكد دعمه الروحي لهم من خلال الصلاة، ومنح بركته الرسولية لجميع الحاضرين كما لأسرهم وأحبائهم، متمنيًا لهم النجاح في رسالتهم الرامية إلى بناء عالم أكثر إنسانية وعدلًا ومحبة.




