كتب - محرر الاقباط متحدون
تأمل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك لبنان، في آية ""إنّ أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها"(لو 8: 21)، وقال بهذا الكلام ينقلنا الرب يسوع من القرابة الجسدية إلى القرابة الروحية. ويشرح لنا سرّ أمّه مريم التي، قبل أن تصبح أمًّا لكلمة الله المتجسّد، سمعت كلمة الله وآمنت بها وعاشت بحسبها، فصارت الكلمة في حشاها جنينًا، وصار الإيمان فيها تجسّدًا حيًّا.
مضيفا خلال عظته في زيارته الراعوية إلى رعية بصاليم:" كان الجمع ملتفًّا حول يسوع، وقيل له إنّ أمك وإخوتك واقفون في الخارج يريدون أن يروك، فأجاب بكلمة بقيت علامة للحياة المسيحية كلها: "إنّ أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 8: 21).
إنه إنجيل الكلمة. إنجيل الإنسان الذي لا يكتفي بأن يسمع كلمة الله، بل يعيش بموجبها. فالكلمة في المسيحية ليست فكرة تُقال، بل هي حياة تُعاش وشهادة تُعطى. وهكذا نفهم أن المسيح يدعونا إلى علاقة أعمق معه، علاقة تقوم على سماع الكلمة والعمل بها، لأن الإنسان يصبح قريبًا من الله بقدر ما يفتح قلبه لكلامه، ويجعل حياته شهادة حيّة له.
يسعدني جدًّا أن أقوم بهذه الزيارة الراعوية إلى رعية بصاليم مزهر والمجذوب العزيزة، مع سيادة أخينا المطران أنطوان بو نجم، ونائبنا البطريركي العام المطران حنّا علوان، وبمشاركة سيادة أخينا المطران جوزيف معوض، راعي أبرشية زحلة، وبحضور سيادة أخينا المتروبوليت سلوان موسي، راعي أبرشية جبل لبنان للروم الأرثوذكس. فأحيّي أبناء الرعية وبناتها، والسادة النواب، ورئيس البلدية الأستاذ جورج سمعان والمخاتير ومجالسهم، وأصحاب المقامات. وأحيّي بصاليم مزهر والمجذوب شاكرًا على لقاء الترحيب. فإنّا نحتفل معكم بهذه الليتورجيا الإلهية أمام مقام أمّنا مريم عند أقدام الصليب في باحة كنيسة سيدة النجاة، ملتمسين نعمة "سماع كلمة الله والعمل بها".
وقد أُسعدت بزيارة مستشفى الشرق الأوسط، وبلقاء الإدارة والطاقم الطبي والتمريضي وصلّيت معهم من أجل شفاء المرضى، وناولت بعضهم القربان المقدس، والتمست من الله نمو هذا المستشفى لخدمة المزيد من المرضى.
وسُررت بتدشين مركز المونسنيور توفيق بو هدير "جمعية شبيبة الرجاء" في مبنى جمعية الوحدة الخيرية بصاليم. فأشكر الإعلامي ماجد بو هدير، رئيس جمعية شبيبة الرجاء على المبادرة الإنسانية التي تحيي ذكرى شقيقه المرحوم المونسنيور توفيق في سنتها الرابعة.
وأُسعدت جدًّا بلقاء المحبة والاستقبال في كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس من قبل سيادة المتروبوليت سلوان موسي، راعي أبرشية جبل لبنان. إنه لقاء أخوي شدّد روابط المحبة والتعاون باسم المسيح الرب، الذي يجمعنا ويقدّسنا بروح الأخوّة الصادقة.
بالعودة إلى إنجيل اليوم، تدعونا الكنيسة إلى الإصغاء العميق لكلمة الله، لأن الليتورجيا هي المكان الذي يلتقي فيه الإنسان بالكلمة الحية. ففي كل قداس، لا نسمع قراءة عابرة، بل نسمع الله نفسه يخاطبنا ويدعونا إلى التغيير والالتزام والشهادة.
فالكنيسة لا تكتفي بأن تعلّم المؤمن سماع الإنجيل، بل تدعوه ليحمل الكلمة معه إلى حياته اليومية، إلى بيته، وعمله، ومجتمعه، ووطنه. وهكذا تتحول الليتورجيا إلى حياة، وتتحول الكلمة إلى رسالة يعيشها المؤمن كل يوم.
اليوم يكشف لنا المسيح معنى دعوتنا كمسيحيين. نحن لا نعيش فقط لنسمع الإنجيل، بل لنصبح نحن أنفسنا شهادة له، لنكون كلمة الله في العالم: نشهد لها بأعمالنا، بحياتنا، بطريقة تعاملنا مع الناس، وبقدرتنا على أن نعكس حضور الله في هذا الزمن.
هذه هي ثقافتنا المسيحية. لسنا أهل كتاب، بل نحن جماعة الكلمة. نحمل الكلمة، نعيشها، ونشهد لها. الكلمة في المسيحية ليست فكرة نظرية، بل قوة حياة. فعندما يدخل كلام الله إلى قلب الإنسان، يبدّل نظرته، ويطهر داخله، ويجعله أكثر قدرة على المحبة والغفران والحق.
ولهذا، فشهادة المسيحي الحقيقية لا تكون فقط في الكلام، بل في أن تصبح حياته إنجيلًا حيًا يراه الناس. نحن نعطي جسدًا للكلمة عندما نعيش الصدق، وعندما نحافظ على كرامة الإنسان، وعندما نصنع السلام، وعندما نغفر ونحب ونخدم.
هذه هي رسالتنا، وهذا هو دورنا: أن نحمل كلمة الله إلى العالم لا بالشعارات، بل بالشهادة اليومية الصادقة.
"إنّ أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 8: 21). بهذه الكلمة ننظر اليوم إلى واقعنا الوطني، لأن لبنان يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أناس يسمعون كلمة الحق ويعملون بها، لا إلى شعارات تُقال ثم تضيع وسط الانقسامات.
فثقافة الكلمة هي ثقافتنا المسيحية. نحن جماعة الشهادة، وجماعة الحقيقة، وجماعة المسؤولية. دورنا لا يقتصر على الصلاة داخل الكنائس، بل أن نكون شهودًا لكلمة الله في مجتمعنا ووطننا وحياتنا العامة. حين يسمع الإنسان كلمة الله بصدق، يستنير ضميره. وحين يعمل بها، يتغير المجتمع. وحين تتحول الكلمة إلى التزام ومسؤولية، يبدأ الوطن بالنهوض من جديد.
نحن شركاء في هذا الوطن، ومسؤولون عنه، وعن مستقبله. فالوطن لا يُبنى بالكلام فقط، بل بالضمير، وبالعمل، وبالقدرة على تحويل المبادئ إلى ممارسة يومية.
لكن ما نعيشه اليوم مؤلم ومتعب. فما زال لبنان يتعرض للاعتداءات والانتهاكات اليومية، وما زال الناس يعيشون في حالة غموض وقلق وانتظار. الأحداث تتكرر، والخوف يتسلل إلى النفوس، والناس تسأل بقلق: إلى أين نحن ذاهبون؟
وفي الداخل أيضًا، نعيش حالة تعب وانقسام وفقدان ثقة، لأن الحقيقة تضيع وسط المصالح والتجاذبات، فيما الإنسان اللبناني يريد فقط أن يعيش بكرامة وسلام وطمأنينة.
ومن هنا، تصبح كلمة الله دعوة وطنية أيضًا. دعوة إلى الصدق، إلى المصالحة، إلى احترام الإنسان، وإلى بناء وطن يقوم على الحقيقة لا على الخوف.
نحن أبناء كلمة الله، أبناء الشهادة، أبناء السلام، لا الحرب. السلام لا يُبنى بالشعارات، بل بالضمير الحي، بالقدرة على اللقاء، بالإيمان بأن الإنسان أخ للإنسان، وأن الوطن لا يمكن أن يبقى إذا غابت عنه الحقيقة والمحبة والمسؤولية. وبقدر ما نسمع كلمة الله ونعيشها، بقدر ذلك نستطيع أن نبني وطنًا يبقى. فالأوطان لا يحفظها السلاح، بل تحفظها الضمائر الحية، والقيم، والإيمان، والإنسان الذي يعرف أن له دورًا ورسالة وشهادة. ولهذا، رغم كل ما نعيشه من قلق وانتظار وغموض، يبقى إيماننا أنّ كلمة الله قادرة أن تفتح طريق الرجاء، وأن تعيد بناء الإنسان، وأن تعطي وطننا قوة جديدة للنهوض والثبات والبقاء.
لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات: يا رب، أنت الذي دعوتنا لنكون سامعين لكلمتك وعاملين بها، اجعلنا شهودًا حقيقيين لك في هذا العالم. علّمنا أن نحمل كلمتك في قلوبنا، وأن نعيشها بأعمالنا، وأن نعكس حضورك بمحبتنا وسلامنا وصدقنا. بارك وطننا لبنان، واحفظه من الحروب والانقسامات والخوف، وأعطه نعمة الطمأنينة والاستقرار. واجعلنا دائمًا جماعة الكلمة، وجماعة الرجاء، وجماعة السلام. لأننا عندما نسمع كلمتك ونعمل بها، نصبح حقًا شهود حضورك في هذا العالم. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.




