البابا لاوُن يبدأ زيارته للأوروغواي ويدعو إلى تعزيز التضامن والعدالة الاجتماعية
محرر الأقباط متحدون
السبت ٧ نوفمبر ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
بدأ البابا لاون الرابع عشر الجمعة زيارته الرسولية السادسة خارج الأراضي الإيطالية والتي تقوده – لغاية السادس عشر من الجاري – إلى ثلاث دول في أمريكا اللاتينية هي الأوروغواي، الأرجنتين وبيرو. عقب وصوله إلى مونتفيديو، عاصمة الأوروغواي، توجه الحبر الأعظم إلى "ساحة الاستقلال" حيث جرت مراسم الاستقبال الرسمي بحضور رئيس الجمهورية Yamandú Orsiوممثلين عن السلطات المدنية والسلك الدبلوماسي والمجتمع المدني.
ألقى البابا خطابا للمناسبة استهله بتوجيه التحية إلى جميع أبناء الأوروغواي معرباً عن سعادته بزيارة هذا البلد والتعرف إلى تاريخه والالتقاء برجاله ونسائه من مختلف المناطق والقطاعات. وأشار بصورة خاصة إلى مدينة فلوريدا، التي تحتل مكانة مميزة في الوجدان الوطني والديني، لكونها تحتضن مزار العذراء، شفيعة الأوروغواي، التي ارتبط حضورها بمحطة أساسية من تاريخ البلاد، ولا تزال تشكل رمزاً يجمع أجيالاً متعاقبة من أبنائها.
بعدها توقف البابا عند حدث الهجرة الكبرى للشعب الشرقي عام ١٨١١، المعروفة باسم "لا ريدوتا"، والتي شهدت مسيرة جماعية بقيادة خوسيه غيرفاسيو أرتيغاس، مؤسس الهوية الوطنية للأوروغواي. وأشار إلى أن البلاد احتفلت عام ٢٠٢٥ بمرور أربعين سنة على استعادة الديمقراطية واستمرار الحياة الدستورية، مؤكداً أن الحكم يجب أن يكون في خدمة الخير العام، وفي إطار احترام القانون والحريات ومسؤولية المواطنين، مع ضرورة توفير قنوات حقيقية لمشاركة الناس في الحياة العامة واختيار ممثليهم.
هذا ثم انتقل البابا إلى الحديث عن مسؤولية الأجيال الحالية تجاه المستقبل، مشدداً على أن مفهوم الخير العام لا يقتصر على احتياجات الحاضر، بل يشمل أيضاً حقوق الأجيال المقبلة. وأشاد بالتحول الكبير الذي حققته الأوروغواي في قطاع إنتاج الكهرباء، حيث بات يعتمد بصورة شبه كاملة على مصادر الطاقة المتجددة. لكنه لفت إلى أن هذا التقدم يفرض تحديات جديدة، ولا سيما في قطاعات النقل والإنتاج والاستخدام المسؤول للأرض والمياه والطاقة، داعياً إلى إدارة الموارد الطبيعية بما يحفظها ولا يستنزف فرص الأجيال القادمة.
في معرض حديثه عن مستقبل المجتمع، توقف لاون الرابع عشر عند صورة امرأة تحمل رضيعاً على أحد جوانب النصب التذكاري، معتبراً أنها تذكّر بأهمية حماية الحياة منذ بدايتها، ورعاية الأطفال والأمهات والعائلات. وأكد أن الطفل الذي لم يولد بعد هو جزء من الأسرة الإنسانية ومستقبل وطنه، وأن كرامته لا تتأثر بحالة اعتماده الكامل على أمه. وأكد أن الأسرة تظل المكان الأول الذي يتعلم فيه الإنسان القبول والمحبة والتعايش، مستشهداً بمقولة للبابا يوحنا بولس الثاني مفادها أن مستقبل البشرية يمر عبر الأسرة.
لم تخل كلمة البابا من الحديث عن التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، مشددا على أن التطور التقني ينبغي أن يكون في خدمة الإنسان، وأن يوسع قدراته ويخفف أعباء العمل، لا أن يحوله إلى مجرد عنصر قابل للاستبدال في العملية الإنتاجية.
بعدها حذر البابا من مخاطر الوحدة والقلق وفقدان الأمل، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى مرحلة لا يجدون فيها سبباً للاستمرار في الحياة. وتناول بصورة خاصة موضوع الانتحار، مؤكداً أهمية الرعاية الصحية والروابط الأسرية والتضامن المجتمعي، حتى لا يشعر أي إنسان بأنه غريب بين أحبائه أو أن غيابه أقل أهمية من وجوده، مشدداً على ضرورة ضمان الرعاية الصحية للجميع، بغض النظر عن أوضاعهم المالية، وأكد أن المجتمع بأكمله يتحمل مسؤولية مساندة المرضى والمحتاجين، وأن كرامة الإنسان تقتضي توفير العلاج والرعاية والمرافقة حتى نهاية حياته الطبيعية.
هذا ثم تطرق البابا إلى التنوع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في الأوروغواي، مشيراً إلى وجود أشخاص من خلفيات وطبقات اجتماعية مختلفة، اجتمعوا في مسيرة واحدة لصناعة تاريخ مشترك. ودعا إلى أن ينعكس النمو الاقتصادي والاستثمارات والمبادرات العامة والخاصة على حياة جميع المواطنين، بحيث لا تتركز الثروة والفرص في أيدي فئة محدودة، بل تصل ثمار التنمية إلى مختلف شرائح المجتمع.
بعدها سلط الحبر الأعظم الضوء على أهمية الحفاظ على حرية المعتقد والضمير، مشيراً إلى أن علمانية الدولة ينبغي أن تضمن التعايش بين المؤمنين وغير المؤمنين، من دون إقصاء الدين عن المجال العام. فحرية الإنسان – تابع يقول – تقتضي عدم إجباره على مخالفة قناعاته، مع احترام استقلال المؤسسات المدنية وحقوق الآخرين.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فدعا الحبر الأعظم إلى اعتماد الحوار والقانون والتفاوض السلمي في معالجة الخلافات بين الدول، مشيداً بدور الأوروغواي في تعزيز التعاون والتكامل في أميركا اللاتينية. هذا ثم عاد البابا إلى صورة الهجرة الكبرى "لا ريدوتا" لافتا إلى أنها تحتل مكانة خاصة في ذاكرة الأوروغواي لكونها تخلد ذكرى شعب تعرض للاختبار، واضطر إلى ترك الكثير مما يملك محاولاً البقاء موحدا وسط حالة عدم اليقين.
في ختام كلمته إلى السلطات المدنية في مونتفيديو أكد البابا أن الكنيسة الكاثوليكية تريد مواصلة رسالتها في الأوروغواي، وذلك من خلال نشر الإنجيل والرجاء، والتعاون مع جميع العاملين لصالح الخير العام وكرامة الإنسان، معرباً عن أمله في أن تساهم زيارته الرسولية في تعزيز ما يجمع أبناء البلاد وفي تجديد الثقة بقدرتهم على مواجهة التحديات وبناء المستقبل. ثم سأل الله أن يبارك الأوروغواي والعذراء مريم أن ترافق الشعب في مسيرته عبر التاريخ.