الأقباط متحدون - دول الخليج ضحية حرب على إيران بمبررات زائفة ومصالح خفية
  • ١٨:٠١
  • الثلاثاء , ٦ اكتوبر ٢٠٢٦
English version

دول الخليج ضحية حرب على إيران بمبررات زائفة ومصالح خفية

٠٠: ٠٣ م +02:00 CEST

الثلاثاء ٦ اكتوبر ٢٠٢٦

دول الخليج ضحية حرب على إيران
دول الخليج ضحية حرب على إيران

في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، بدأت طائرات أمريكية وإسرائيلية بقصف مواقع متعددة في إيران، وأعلنت واشنطن وتل أبيب أن عملية "الغضب الملحمي" جاءت رداً على تهديدات إيرانية وجودية، ومنعاً لطهران من امتلاك سلاح نووي. غير أن هذه الرواية الرسمية تتهاوى مع مرور الأيام. فالحرب لم تكن دفاعاً عن النفس، ولا منعاً لانتشار نووي، بل كانت فصلاً جديداً من سياسة أمريكية أقدم وأعمق ألا وهي إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق مصالح واشنطن الاقتصادية والجيوسياسية، وضمان تفوق إسرائيل على حساب دول المنطقة وشعوبها.

تبريرات واهية
المبرر الأول الذي ساقته واشنطن هو حق الدفاع عن النفس، استناداً إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة. لكن خبراء القانون الدولي يشككون في هذا الأساس. فقد أوضحت آشلي ديكس، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا ونائبة المستشار القانوني السابقة لمجلس الأمن القومي، أن نظرية "الدفاع عن النفس الفردي" التي تذرعت بها واشنطن "خطيرة"، إذ تسمح للولايات المتحدة بضرب أي طرف أولاً بمجرد أن يخطط حليفها لاستخدام القوة.
والأهم أن إيران لم تهاجم الولايات المتحدة أو إسرائيل قبل الضربة، بل إن المفاوضات كانت لا تزال جارية في جنيف بوساطة عُمانية. وفي الوقت نفسه، كانت واشنطن تراكم قواتها في المحيط الهندي والبحر المتوسط وفي القواعد الإسرائيلية، لتطبق حصاراً عسكرياً ثلاثي الأبعاد قبل أن تشن هجومها دون إعلان حرب. هذا ليس دفاعاً عن النفس، بل عدوان مبيّت.

أما المبرر الثاني، منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فهو أوهن من سابقه. فقد أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في الثاني من مارس 2026، أنه "لم نشهد أي جهد منهجي إيراني للتحرك نحو سلاح نووي"، مضيفاً أن "الدول قد تمتلك معلومات أخرى أو دوافع سياسية".

والأكثر دلالة أن الوكالة الدولية "حجبت هذه الحقيقة" في تقرير "منحاز" استُخدم كذريعة لشن الحرب. فكيف يُشنّ حرب على دولة تبدي مرونة في الملف الذي يُقال إنه سبب الحرب؟ لقد وصف خبراء القانون الدولي الحجج القانونية لواشنطن بأنها "غير مقنعة"، وذهب 38 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى القول إن الحرب "غير دستورية منذ البداية" وتنتهك قانون سلطات الحرب. وكلما كان المبرر أضعف، كان الدافع الحقيقي أعمق وأخطر.

الدوافع الحقيقية للحرب
الدافع الأول هو الحرب الاقتصادية ضد الصين. فالصين أكبر مستورد للنفط في العالم، إذ استوردت في عام 2025 نحو 578 مليون طن من الخام، وتعتمد على الخارج لتأمين 72% من حاجتها، وتأتي 41% من هذه الواردات من خمس دول خليجية هي السعودية والعراق والإمارات وعُمان والكويت. والأهم أن نحو 35% من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز متجه إلى الصين. وبمجرد أن أغلقت إيران المضيق، توقف نحو 20% من الإمداد العالمي، أي ما يعادل عشرين مليون برميل يومياً، وقفزت أسعار خام برنت إلى 110 دولارات للبرميل، بزيادة 50% عما قبل الحرب.

ومع ذلك، فإن احتياطيات الصين فوق الأرض تبلغ نحو 1.4 مليار برميل، أي ما يكفي خمسة أشهر من الواردات، ولم تُسحب بعد من المخزونات تحت الأرض. وهذا يعني أن الصين استوعبت الصدمة حتى الآن، لكن هامش المناورة يتقلص. ويصف الباحث تشانغ وو يويه الاستراتيجية الأمريكية بأنها تحولت من الرسوم الجمركية المباشرة في 2025 إلى "العزل غير المباشر"، عبر ضرب إيران وفنزويلا، بهدف السيطرة على ما بين 60 و70 في المئة من الطاقة البترولية العالمية. هذا خنق للصين من عنقها الاقتصادي، وليس حماية للعالم من سلاح نووي.

الدافع الثاني هو إضعاف مجلس التعاون الخليجي. فدول الخليج، رغم كونها حليفة لواشنطن، تظل في نظر الأخيرة قوى يجب ألا تستقل بقرارها أو بأمنها. وقد كشفت الحرب هذه الحقيقة بوضوح. فقد انكمش الاقتصاد الخليجي في 2026 بسبب الانخفاض الحاد في إنتاج النفط والغاز وتباطؤ النمو في القطاعات الاقتصادية الأخرى كالطيران واللوجستيات والسياحة والمعارض العقارية والتجارة. وكان البنك الدولي قد توقع في يناير نمواً بنسبة 4.4% لدول المجلس، لكنه خفض توقعاته إلى 1.3% فقط بعد اندلاع الحرب. هذه نتيجة يُرحب بها صانع القرار الأمريكي، لأن خليجاً مجروحاً اقتصادياً وأمنياً يصبح أكثر تبعية لواشنطن، وأقل قدرة على المطالبة بسياسة خارجية مستقلة أو بمنظومة دفاع ذاتية.

الدافع الثالث هو توجيه ضربة لأوروبا. فالاتحاد الأوروبي، كما يقول مفوض الطاقة دان يورغنسن، أنفق منذ اندلاع الحرب أكثر من مئة مليار يورو إضافية على واردات الطاقة، دون أن يحصل على "جزيء واحد من الغاز أو برميل إضافي من النفط". وارتفعت أسعار الوقود في بعض دول الاتحاد بنسبة 50%، بينما ارتفعت أسعار الديزل بأكثر من 75% ووقود الطائرات بنسبة تصل إلى 170%. وحذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن أوروبا "ستواجه شتاءً صعباً جداً"، إذ يأتي نحو نصف إمداداتها من الديزل مباشرة من الولايات المتحدة. والأخطر أن المشرعين الجمهوريين في الولايات المتحدة هددوا قبل انتخابات التجديد النصفي بتقييد صادرات النفط الأمريكية لحماية السوق المحلية، وهو ما أثار ذعراً في الأسواق الأوروبية وكشف هشاشة الاعتماد على واشنطن.

وإلى جانب الطاقة، يتخوف الأوروبيون من موجات جديدة من اللاجئين نحو أوروبا، كما يحدث في كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط، سواء هرباً من الحرب وآثارها الكارثية أو طمعاً بحياة كريمة بعد قطع السبل في بلدان الأصل بسبب سياسات أمريكا. وهكذا تصبح أوروبا أضعف اقتصادياً وأكثر انقساماً سياسياً، وبالتالي أكثر انصياعاً للإرادة الأمريكية.

دول الخليج الخاسر الأكبر من الوجود الأمريكي لديها
وفقاً لتقارير إعلامية دولية ترددت أصوات إيرانية محذرة لدول الخليج كمحمد مرندي، الخبير في الشؤون الاستراتيجية وأستاذ جامعة طهران، الذي قال: "غادروا الإمارات العربية المتحدة، والسعودية، والبحرين، والكويت، وقطر فوراً. بمجرد أن يستهدف تحالف إبستين البنية التحتية الحيوية للشعب الإيراني، فإن الجمهورية الإسلامية ستدمر كافة البنية التحتية الحيوية لهذه الأنظمة"، واصفاً إياها بأنها "أنظمة تابعة لأمريكا، وبدون تعاونها لم تكن الولايات المتحدة قادرة على شن هذه الحرب".

بينما قال فواد إيزادي، أستاذ جامعة طهران، إنه "إذا أصبحت إيران مظلمة، فإن المنطقة بأكملها ستعود إلى العصر الحجري". وإلى جانبه، صرح علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بأن استهداف الشبكة الكهربائية الإيرانية سيغرق المنطقة بأكملها في الظلام خلال أقل من نصف ساعة.

لذا، فإن دول الخليج مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تتخلى عن واشنطن وتطرد قواعدها من المنطقة، لأن ترامب لم ولن يستمع إلى تحذيراتها من خطورة استمرار الحرب على إيران. فحين اجتمع قادة الخليج معه في نيويورك في سبتمبر 2026، كانوا يأملون في تطمينات أمنية، لكنهم واجهوا تهديداً متجدداً بالحرب، وتحوّل اللقاء إلى مجرد "لقاء تعارف" لم يتطرق إلى الأزمات الوجودية التي تواجههم. 

وحتى حين أوقف ترامب هجوماً كان مقرراً في أغسطس الماضي بطلب من الرياض وأبوظبي والدوحة، لم يكن ذلك استجابة لمخاوفهم، بل مناورة تكتيكية، إذ أعلن في الوقت نفسه أن جيشه جاهز لشن "هجوم كامل واسع النطاق في أي لحظة" إذا لم يتحقق اتفاق مقبول. فهو يريد أن يسمع وجهات نظرهم، لكن القرار النهائي يبقى بيده، والقرار الحقيقي يبقى إسرائيلياً. فنتنياهو، الذي زار واشنطن مراراً لدفع ترامب نحو استئناف القتال، أعلن صراحة أن أهداف الحرب "لم تتحقق بعد"، وأن "الإصبع على الزناد"، وأن إسرائيل مستعدة "للعودة إلى المعركة في أي لحظة". وهو يريد إزالة اليورانيوم المخصب من إيران، وتفكيك مواقع التخصيب، وتحييد الجماعات التابعة لطهران، ويرى أن أي اتفاق لا يحقق هذه الأهداف هو مجرد محطة مؤقتة.

وهكذا فإن بقاء القواعد الأمريكية على أرض الخليج لم يعد يوفر حماية، بل أصبح هو نفسه سبباً لاستهدافها، وجرّاً لها إلى حرب لا تريدها. آن الأوان لأن يدرك قادة الخليج أن أمريكا لم تكن يوماً حليفاً حقيقياً، وأن نتنياهو لن يتوقف عن جرّ المنطقة إلى هاويته، وأن الطريق الوحيد للنجاة يبدأ بطرد القواعد الأمريكية، وبناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة، وإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية العمياء.

وفي المحصلة، تلتقي كل هذه الخيوط عند هدف واحد ألا وهو الحفاظ على التفوق الأمريكي. وقد أظهر دخان "الغضب الملحمي"، بأن الحرب تُشن باسم منع الانتشار، لكن جوهرها حرب للحفاظ على نظام هيمنة عالمي. وقد تُختلق المبررات، أما الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية، فلا ترحم.

تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة أو مصدقية أي خبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.