أكثر من 40% من النزاعات مرتبطة بالمياه.. أمريكا اللاتينية تتحرّك من أجل المياه
محرر الأقباط متحدون
الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
يجتمع أكثر من مئة مشارك من ١٨ بلدًا في بوغوتا للمشاركة في اللقاء اللاتيني الأميركي لحركة "كُن مُسبَّحًا"، الذي سيختتم زمن الخليقة. وتأتي هذه المبادرة في إطار حملات واحتفالات ومسارات تنشئة ونشاطات توعية تضع العناية بالمياه في صميم عمل الكنيسة في المنطقة.
من الأول من أيلول سبتمبر وحتى الرابع من تشرين الأول أكتوبر، تحتفل جميع الكنائس المسيحية بـ "زمن الخليقة"، وهي فترة مخصّصة للصلاة والتأمل، وكذلك للعمل من أجل العناية بالبيت المشترك. وفي احتفال عام ٢٠٢٦، تحتلّ المياه مكانة محورية، إذ يتمثّل الهدف في تعليمنا أن نراها عطيةً ومصدرًا للحياة وعلامةً للتجدد، فضلًا عن كونها موردًا أساسيًا لا غنى عنه لحياة جميع الشعوب.
وفي أميركا اللاتينية، ترافق حركة "كُن مُسبَّحًا" هذا الاحتفال من خلال فروعها الوطنية ومبادرات مختلفة تسعى إلى ترجمة الاهتمام بالخليقة إلى أعمال ملموسة. ومن أبرز هذه المبادرات اللقاء الإقليمي اللاتيني الأميركي الأول لحركة "كُن مُسبَّحًا"، المقرر عقده في بوغوتا من الأول وحتى الخامس من تشرين الأول أكتوبر المقبل. وسيشارك فيه أكثر من مئة شخص من ١٨ بلدًا في المنطقة، من علمانيين وراهبات ورهبان وكهنة ملتزمين بالعناية بالبيت المشترك. ومن بين المشاركين ماريا ليا زرفينو، عضو دائرة الأساقفة؛ والأخت ماريا إينيس كاستيلارو من اتحاد الرهبان والراهبات في أمريكا اللاتينية؛ ومورين فيلانويفا من منصة عمل "كُن مُسبَّحًا"، وكريستينا ليانو، المديرة المشاركة لحركة "كُن مُسبَّحًا". وترى كريستينا تشوكيماركا موسكيرا، نائبة مديرة حركة "كُن مُسبَّحًا" لأميركا اللاتينية، أن هذا اللقاء يأتي في إطار مسار يهدف إلى ربط العمليات والمبادرات المحلية والوطنية في المنطقة. فقد شهدت الحركة خلال السنوات الأخيرة لقاءات محلية ووطنية وعالمية، من بينها اللقاء مع البابا لاوُن الرابع عشر في كاستل غاندولفو عام ٢٠٢٥، خلال مؤتمر "Raising Hope". ويكتسب لقاء بوغوتا أيضًا أهمية خاصة عشية الزيارة الرسولية المرتقبة إلى الأوروغواي والأرجنتين والبيرو، من ٦ وحتى ١٧ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٦. وفي البيرو، سيزور البابا أيضًا النيابة الرسولية في بوكالبا، في منطقة الأمازون البيروفية، حيث تتمتع حركة "كُن مُسبَّحًا" بحضور راسخ، ولها مركز مكرّس لروحانية الرسالة العامة للبابا فرنسيس، التي تحمل الحركة اسمها وتستلهم منها رسالتها.
إنَّ المياه ليست مجرد أحد رموز زمن الخليقة لهذا العام، بل هي أيضًا إحدى أبرز التحديات الاجتماعية والبيئية في أميركا اللاتينية. وتذكّر تشوكيماركا بأن نية البابا لاوُن الرابع عشر للصلاة لشهر أيلول سبتمبر تقدّم المياه كعطية ورمز للنعمة والمحبة اللتين تجدّدان الحياة، وتدعو في الوقت نفسه إلى طلب المغفرة لأن الإنسان قد حوّل المياه إلى سلعة. وتوضح تشوكيماركا أن المياه تُعدّ في المنطقة من أكثر الموارد إثارةً للنزاعات. وتعمل حركة "كُن مُسبَّحًا" على إعداد خريطة للنزاعات الاجتماعية والبيئية. ووفق المعطيات التي تشير إليها تشوكيماركا، يرتبط أكثر من ٤٠ في المئة من التوترات أو النزاعات المسجّلة بخلافات حول المياه. ويضاف إلى ذلك تأثير المشاريع الاستخراجية، وفي الآونة الأخيرة، استهلاك المياه والطاقة المرتبط بمراكز البيانات المستخدمة في مجال الذكاء الاصطناعي. وتؤكد المسؤولة الإقليمية أن القضية لا يمكن اختزالها في مجرّد هاجس بيئي، فهي تمسّ أيضًا الإيمان المسيحي، لأن الطريقة التي تتعامل بها المجتمعات مع الموارد تكشف طبيعة علاقتها بالله وبالآخرين وبالخليقة، وما إذا كانت هذه العلاقة لا تزال قائمة أم أنها قد انقطعت. ولهذا السبب، تطلق الحركة حملات للتوعية بأهمية المياه، وتقوم بأنشطة مناصرة لدى الحكومات المحلية وفي المحافل التي تُصاغ فيها السياسات العامة، بهدف تعزيز توزيع أكثر عدلًا للموارد.
ويمتد حضور حركة "كُن مُسبَّحًا" إلى معظم بلدان أميركا اللاتينية، حيث تواصل فروعها الوطنية أنشطتها طوال العام، وتكثّف التزامها خلال أسبوع "كُن مُسبَّحًا" وزمن الخليقة. ففي الإكوادور، على سبيل المثال، تجري حملة حول الاستهلاك المسؤول للمياه. وفي الباراغواي وبلدان أخرى من أميركا اللاتينية، تُقام قداديس من أجل العناية بالخليقة. أما تشيلي والمكسيك فتستضيفان لقاءات معمّقة حول العلاقة بين الرسالة العامة "كُن مُسبَّحًا" والرسالة العامة "الإنسانيّة الرائعة"، في حين بدأت البيرو أنشطة مرتبطة بزمن الخليقة وبالتحضير للزيارة الرسولية للبابا لاوُن الرابع عشر. وهناك أيضًا تجارب في مجال المشاركة السياسية. وتشير تشوكيماركا إلى الأرجنتين، حيث شاركت الحركة في وضع سياسة عامة تتعلق باستهلاك المياه واستخدامها بطريقة رشيدة. وفي مختلف أنحاء المنطقة، أُنشئت كذلك شبكات لحماية المدافعين عن البيئة، ولا سيما الذين يكرّسون جهودهم لحماية المياه، إلى جانب المشاركة في محافل دولية تُعنى بالتنوع البيولوجي والتغير المناخي. أما كولومبيا، التي تستضيف اللقاء، فتقدّم بدورها تجربة في التنظيم من خلال برنامج وطني للرعايا البيئية، يتناول بصورة شاملة العناية بالأرض والمياه والموارد الموكلة إلى الجماعات المحلية.
وترى تشوكيماركا أن أحد أبرز التحديات يتمثّل في تجنّب اختزال الالتزام البيئي في مجرد نشاط أو تحرّك مدني. فالعناية بالخليقة، بحسب قولها، تنبع أيضًا من الإيمان. وتلوّث المياه، واستخدام البلاستيك، والأنشطة الاستخراجية، وبناء البنى التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وآثار الظواهر المناخية مثل "إل نينيو"، كلها عناصر في واقع يؤثر بصورة غير متساوية في المجتمعات. فهناك شعوب تندّد بتلوّث مصادر مياهها، واختفاء المياه السطحية، أو تغيير مجاري الأنهار بسبب مشاريع الطاقة الكهرومائية. وأمام هذا الواقع، يتمثّل التحدي في تعبئة الرعايا والكنائس المحلية، ليس فقط لمواجهة النتائج، بل أيضًا لمعالجة الأسباب البنيوية لعدم المساواة والاستيلاء على الموارد المشتركة. وتقول المسؤولة في الحركة إن "التنشئة لكي نقوم بالخير، بصورة جيدة" يشكّل إحدى الخطوات الأولى. ويهدف برنامج منشِّطي حركة "كُن مُسبَّحًا" إلى توفير هذه التنشئة، ثم الانتقال إلى التنظيم المجتمعي، وتغيير العادات، والمشاركة في الحياة العامة.
يحمل زمن الخليقة أيضًا بُعدًا روحيًا. ففي خضم النزاعات البيئية والاستعجالات اليومية، تدعو تشوكيماركا إلى استعادة القدرة على التأمل. فالنظر من النافذة، أو المشي في حديقة، أو التعرّف إلى مصدر الطعام الذي نأكله، أو التوقف للتأمل في ما يسند حياتنا، جميع هذه الأمور يمكنها أن تتحول إلى لحظات صلاة. وتذكّر تشوكيماركا بأن المياه لا توجد خارجنا فحسب، بل هي جزء من أجسادنا أيضًا. ومن ثمّ، فإن التحوّل البيئي يقتضي أن نجعل ألم الأرض والفقراء ألمنا، وأن نتحمل مسؤوليتنا الأخلاقية والمسيحية في تغيير الواقع الذي يولّد المعاناة. وحتى الأعمال الصغيرة اليومية يمكنها أن تفتح مجالًا للتواصل مع الله.
كما أن زمن الخليقة هو مبادرة مسكونية. ففي بلدان عدة، مثل الأوروغواي، تعمل حركة "كُن مُسبَّحًا" مع جماعات تنتمي إلى طوائف مسيحية مختلفة. وهكذا يصبح الاهتمام المشترك بالأرض مساحةً للقاء تتجاوز الاختلافات المذهبية. وأمام الشعور بالعجز الذي قد تثيره التحديات البيئية، تشدّد تشوكيماركا على أهمية التنظيم. فهناك أعمال فردية، وأخرى عائلية وجماعية. وتقول: "لا أحد يخلّص نفسه بنفسه"، مؤكدة ضرورة بناء شبكات تضامن قادرة على إحداث التغيير. وفي هذا المسار، أطلقت حركة "كُن مُسبَّحًا" أيضًا خريطة لمبادرات زمن الخليقة، وهي أداة تتيح إبراز الحملات والسهرات والأنشطة المخصّصة للعناية بالمياه وسائر المبادرات التي تُقام في مختلف أنحاء العالم. والهدف هو أن يُعترف بهذه الخبرات بوصفها جزءًا من شبكة من الترابطات، وأن يُعدّ لاحقًا تقرير يجمع مختلف هذه المبادرات لتقديمه إلى البابا. وتقول تشوكيماركا، في إشارة إلى هذه الأعمال الملموسة: "هكذا يأخذ الرجاء وجهًا". وفي هذا السياق، يشكّل لقاء بوغوتا مساحة إضافية لتعزيز هذه الروابط وتبادل الخبرات بين أشخاص من بلدان ووقائع كنسيّة مختلفة، يسعون إلى الاستجابة لتحدي العناية بالبيت المشترك.
وتختتم نائبة مديرة حركة "كُن مُسبَّحًا" لأميركا اللاتينية بالتأكيد على أن الرسالة ليست موجّهة إلى الكاثوليك وحدهم، وإنما "هناك مكان لجميع الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة". فالمهم ليس المعتقد أو الانتماء الديني، بل الرسالة المشتركة المتمثلة في العناية بالخليقة. وأمام حجم التحديات، يبقى النداء واضحًا: ألا نستسلم.