هند قبوات.. الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة السورية تتبع خطى الأب باولو دالّوليو
محرر الأقباط متحدون
٣٧:
٠٣
م +02:00 CEST
الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
تشير هند قبوات إلى وسائل الإعلام الفاتيكانية إلى أن الحوار بين المجموعات العرقية والدينية يساعد البلاد على إعادة بناء نفسها بعد عقد من الحرب الأهلية.
على مكتب هند قبوات، المحامية والأستاذة والناشطة، والمرأة الوحيدة والوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة الانتقالية السورية، لا توجد صور لشخصيات سياسية أو أفراد من عائلتها، بل صورة للأب باولو دالّوليو، الكاهن اليسوعي الإيطالي الذي كرّس حياته لبناء العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة في سوريا. وتقول قبوات في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، على هامش مؤتمر للحوار بين الأديان في روما: "مرشدي هو الذي علّمني الحوار"
ويشكّل الحوار مفهومًا محوريًا بالنسبة إلى قبوات، التي كانت قد كرّست جزءًا كبيرًا من مسيرتها، قبل تعيينها وزيرة للعمل والشؤون الاجتماعية عام ٢٠٢٥ إثر سقوط نظام الأسد، لمبادرات بناء السلام والحوار بين الأديان. كما أن الحوار يمثّل أولوية مهمة للحكومة التي تعمل فيها حاليًا، والتي وصلت إلى السلطة بعد حملة عسكرية خاطفة في نهاية عام ٢٠٢٤. وتتألف هذه الحكومة إلى حد كبير من متمردين إسلاميين سابقين، وهي مطالبة برسم الطريق الذي ينبغي أن تسلكه بلاد منقسمة بين توجهات إسلامية وعلمانية، ومجزأة بين مجموعات عرقية ودينية عديدة: السنّة، والأكراد، والدروز، والإسماعيليين، واليزيدين، والعلويين، والمسيحيين وغيرهم.
وفي هذا السياق، تحرص قبوات على التشديد على الإعلان الذي صدر في نهاية آب أغسطس، والذي أفاد باكتمال عملية دمج المؤسسات الكردية المدنية والعسكرية التي كانت تتمتع سابقًا باستقلال ذاتي، في الدولة السورية. وتقول: "نحن الآن على الموجة نفسها"، واصفةً عملية الادماج بأنها "إحدى أكبر الإنجازات" التي حققتها الحكومة الانتقالية حتى الآن. لكن العلاقات بين المجموعات العرقية والدينية في سوريا ما بعد الأسد لم تكن دائمًا سهلة. ففي آذار مارس ٢٠٢٥، أسفرت المجازر التي استهدفت الأقلية العلوية في سوريا عن مقتل نحو ١٥٠٠ شخص، فيما خلص تحقيق أجرته وكالة رويترز إلى أن قوات متحالفة مع الحكومة كانت ضالعة في عمليات القتل. وفي جنوب البلاد، اشتبك السكان الدروز مع قبائل بدوية، بينما لا يزال تنظيم داعش يشكّل تهديدًا دائمًا في الشرق، حيث يشنّ هجمات على القوات الحكومية والكردية. وتقول قبوات: "هناك توترات، وكانت هناك انتهاكات لحقوق الإنسان. وبسبب سنوات الحرب والفقر والقمع، أصبح بعض الناس طائفيين جدًا". وتضيف الوزيرة أن سوريا هي بلد يعاني "ألمًا كبيرًا وجراحًا عميقة". لكنها تعرب عن ثقتها في أن الحوار يمكنه أن ينتصر: "الوضع يتحسن بفضل حوارنا الوطني ومبادرات المجتمع المدني".
بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب الأهلية، تبدو مهمة إعادة بناء الوطن شاقة. فإلى جانب الانقسامات الاجتماعية والقضايا الأمنية، يتعين على الحكومة الانتقالية أن تجد سبلًا لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تعاني منها سوريا، وأن تنشئ مؤسسات فعّالة. وتوضح قبوات أن الحوار، على المستوى العملي، يعني أن يكون كل سوري منفتحًا على قدر معين من التسوية. وتقول: "إذا كان الناس متطرفين جدًا، فعليهم أن يدركوا أنهم لا يستطيعون جعل سوريا بأكملها متطرفة. وإذا كانوا علمانيين جدًا، فعليهم أن يدركوا أنهم لا يستطيعون جعل سوريا بأكملها علمانية. يمكننا أن نجد أرضية مشتركة: نحن بحاجة إلى دستور جيد، ونحتاج إلى سيادة القانون، ونحتاج إلى أن نكون جميعًا متساوين".
وبحسب قبوات، فإن أصوات النساء تشكّل جزءًا أساسيًا من هذه العملية. وتتحدث عن الدور المحوري الذي أدته النساء في الحفاظ على النسيج الاجتماعي السوري خلال الحرب الأهلية، معربةً عن أسفها لعدم تمثيلهن بصورة أكبر في الحكومة الانتقالية الجديدة. وكانت قد قالت في وقت سابق من هذا العام لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "في اليوم الأول سألت: لماذا لا توجد نساء أكثر؟"، مضيفةً أن الرئيس الشرع طمأنها إلى أنه سيتم في المستقبل تعيين المزيد من النساء في المناصب القيادية. وعلى الرغم من استمرار ضعف تمثيلهن بشكل كبير – إذ لا تزال قبوات المرأة الوزيرة الوحيدة في الحكومة، فيما لا تشكل النساء سوى نسبة صغيرة من أعضاء مجلس الشعب الذي أُنشئ حديثًا – فإنها تشير إلى التقدم المحرز في وزارتها، حيث، بحسب قولها، سيكون نصف المدراء الإقليميين الأربعة عشر من النساء قريبًا.
أما التنوع الديني فهو قضية أساسية أخرى بالنسبة إلى الوزيرة، التي ترى أنه ينبغي أن يبقى في صميم النقاش حول مستقبل البلاد. وتتحدث عن سوريا، ذات الغالبية المسلمة السنية والتي تضم أقليات كبيرة، باعتبارها "فسيفساء" من الطوائف الدينية المختلفة، وتصف عقلية الشعب السوري بأنها "غير طائفية". وتقول: "في عائلتي، بعضنا أرثوذكس، وبعضنا كاثوليك، وبعضنا بروتستانت. وأي كنيسة أراها، أدخل إليها وأصلّي". وترى أن الانفتاح نفسه على التنوع الديني موجود على المستوى الوطني أيضًا: "في حياة كل مسلم مسيحي طبيب أو معلّم أو صديق مسيحي، والعكس صحيح".
وفي هذا السياق، تقول قبوات إن للكرسي الرسولي دورًا يؤديه في إعادة بناء الوطن. وقبل أيام قليلة من زيارتها إلى روما، قدّم السفير البابوي الجديد في سوريا، رئيس الأساقفة لويجي روبرتو كونا، أوراق اعتماده إلى الرئيس السوري، كما عقد لقاءً مع قبوات. وتقول عنه: "إنه نشيط جدًا، ومفعم بالطاقة. نحن نخطط للقيام بالكثير من العمل معًا". وتضيف أن المنظمات الكاثوليكية "تعمل مع الأشخاص الضعفاء، وتعمل مع الفقراء، ومع اللاجئين... عندما كانت سوريا بحاجة إليهم، كانوا هناك من أجلنا". وعن احتمال قيام البابا بزيارة إلى سوريا في المستقبل، تقول قبوات ببساطة: "سأصاب بنوبة قلبية من شدة الفرح".
ويكشف هذا الحوار مدى ما تدين به قبوات إلى باولو دالّوليو، الكاهن الإيطالي الذي تحتفظ بصورته على مكتبها. فمثلها، كان دالّوليو مؤيدًا صادقًا للحوار بين الأديان، وكان، مثلها أيضًا، منتقدًا علنًا لنظام الأسد. وبعد طرده من سوريا في السنوات الأولى للثورة السورية، عاد دالّوليو إلى مدينة الرقة التي كانت خاضعة لسيطرة المتمردين، حيث اختفى دون أن يترك أثرًا. وتتحدث قبوات بتأثر عن لقائها الأخير به، وتروي أنه عندما عادت بعد سنوات إلى الرقة، زارت المقهى الذي شوهد فيه دالّوليو للمرة الأخيرة، لكي تصلّي.
إن التحديات الاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية التي تواجه الحكومة السورية الجديدة كبيرة. لكن قبوات، على غرار مرشدها اليسوعي، تؤمن بقدرة الحوار والتعاون على مواجهة حتى أكثر القضايا تعقيدًا. وتقول: "إذا عملنا معًا، يمكننا أن نحقق أشياء عظيمة. وإذا لم نفعل ذلك، فلن نصل إلى أي مكان".
الكلمات المتعلقة
