غارسيا ماسياس يحذر من الابتكار غير الضروري في الليتورجيا: التنوع لا يعني التضحية بالوحدة
محرر الأقباط متحدون
١٨:
٠٤
م +02:00 CEST
الاثنين ٧ سبتمبر ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
يبقى موضوع الانثقاف الليتورجي واحداً من التحديات الرعوية المهمة أمام الأساقفة الجدد، خصوصاً في الكنائس الفتية والمناطق التي تتنوع فيها الثقافات والتقاليد الدينية. وقد أكد في هذا السياق المطران غارسيا ماسياس أن إدماج الثقافة المحلية في حياة الكنيسة يمكن أن يصبح واحداً من أجمل أشكال التبشير، عندما يساعد شعباً ما على اكتشاف أن المسيح ليس غريباً عنه وأن الإنجيل قادر على أن يلتقي بثقافته ويقود عناصرها الإنسانية الأصيلة نحو كمالها.
جاءت هذه المواقف خلال دورة تكوينية للأساقفة الجدد نظمتها الدائرة الفاتيكانية للكرازة بالإنجيل تحت عنوان "خدام الشركة في الكنيسة" وشارك فيها تسعة وأربعون أسقفاً ممن نالوا السيامة الأسقفية حديثاً. وخلال الأعمال قدم المطران غارسيا ماسياس، المسؤول في الدائرة الفاتيكانية للعبادة الإلهية وتنظيم الأسرار، مداخلة تناول فيها الليتورجيا ودورها في خدمة الأسقف، مع التركيز على العلاقة بين الاستمرارية والتجديد، ولا سيما في سياق الكرازة الأولى بالإنجيل.
وتوقف سيادته عند روح المجمع الفاتيكاني الثاني، وخصوصاً انطلاقا من دستور "في الليتورجيا المقدسة"، الذي يشدد على أهمية تنمية الحياة المسيحية لدى المؤمنين، وعلى ضرورة تكييفها مع متطلبات العصر، من دون المساس بجوهر الإيمان. وأوضح أن الليتورجيا هي في الوقت نفسه القمة التي تتجه إليها حياة الكنيسة ومصدر القوة التي تنبع منها رسالتها.
وشدد المسؤول الفاتيكاني أيضا على أن الليتورجيا ليست مُلكاً للكاهن الذي يحتفل بها، ولا للمجموعة التي تعدها، ولا حتى للجماعة المحلية التي تشارك فيها، بل هي أولاً عمل المسيح والكنيسة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التجديد أو الانثقاف يجب أن ينطلق من هذا البعد الكنسي والجامع، لا من رغبة في الابتكار لمجرد الابتكار.
وقد تمثلت النقطة الأساسية في المداخلة في مفهوم "الانثقاف الليتورجي"، موضحاً أن هذه المسألة ليست بالنسبة إلى كثير من الكنائس قضيةً نظرية أو أكاديمية، بل هي واقع رعوي يومي. وتساءل في هذا السياق: كيف يمكن للكنيسة أن تحتفل بإيمانها بطريقة يفهمها الناس ويشعرون بأنها قريبة من حياتهم وثقافتهم، من دون أن تفقد الليتورجيا هويتها ووحدتها؟
هذا وحذر غارسيا ماسياس من اختزال عملية الانثقاف في مجرد إضافة بعض العناصر المحلية إلى الاحتفال. وقال إن إدخال أغنية تقليدية، أو رقصة، أو آلة موسيقية محلية، أو ترجمة نص إلى اللغة المحلية، لا يكفي وحده للحديث عن انثقاف حقيقي، الذي ينبغي أن يحدث بصورة أعمق، عندما يلتقي سر الإيمان فعلياً بثقافة معينة، فيأخذ منها ما هو إنساني وأصيل وصادق وجميل، وفي الوقت نفسه ينقيها ويحولها ويرفعها.
وأكد سيادته أن لا ثقافة يمكن اعتبارها مطابقة للإنجيل بشكل كامل. فكل ثقافة تحمل في طياتها عناصر يمكن أن تكون جسوراً نحو الإيمان، أو ما يطلق عليه التقليد المسيحي اسم "بذور الكلمة"، لكنها تحمل أيضاً آثار الضعف والخطيئة. ولذلك فإن الإنجيل لا يرفض الثقافة ولا يقدسها بصورة مطلقة، وإنما يستقبل ما هو صالح فيها، وينقي ما يحتاج إلى تنقية، ويصحح ما يتعارض مع رسالة المسيح، ويقود العناصر الإنسانية الأصيلة إلى ملء معناها.
وهذا المبدأ – تابع سيادته يقول – لا ينطبق فقط على الثقافات الأفريقية أو الآسيوية أو في أميركا اللاتينية وأوقيانيا، بل يشمل أيضاً الثقافة الأوروبية. فكل ثقافة تحتاج إلى أن تُبشَّر، وكل مجتمع مدعو إلى أن يكتشف المسيح ضمن واقعه الإنساني والتاريخي.
على صعيد آخر، حدد غارسيا ماسياس ثلاثة مخاطر ينبغي تجنبها في مسيرة الانثقاف الليتورجي. أولاً الابتكار غير الضروري، إذ لا ينبغي إدخال تغييرات في الليتورجيا إلا عندما تكون هناك فائدة حقيقية وثابتة للكنيسة. ثانياً خطر التوفيق أو الخلط بين الممارسات الدينية المختلفة، وهو أمر حساس بصورة خاصة في المناطق التي لا تزال فيها الديانات والتقاليد المحلية حاضرة بقوة. أما الخطر الثالث فهو تحويل الليتورجيا إلى نوع من الفولكلور أو العرض الثقافي، مؤكداً أن الاحتفال الليتورجي ليس مسرحاً لاستعراض الخصوصيات المحلية، وأن العنصر الثقافي ينبغي أن يدخل في الليتورجيا لأنه يخدم السر المحتفل به، وليس لمجرد كونه جذاباً أو ملفتاً للنظر.
وفي هذا السياق أشار سيادته إلى أن ترجمة النصوص الليتورجية إلى لغة الشعب تمثل أحد أهم أشكال الانثقاف، شرط أن تكون الترجمة أمينة للنص الأصلي. فاللغة ليست مجرد وسيلة تقنية لنقل الكلمات بل هي جزء أساسي من الطريقة التي يفهم بها الإنسان إيمانه ويعي مشاركته في الصلاة الجماعية.
وختم المطران غارسيا ماسياس كلمته بالتشديد على ضرورة إيجاد توازن دقيق بين احترام الثقافات والحفاظ على الشركة الكنسية. فلا ينبغي الخوف من التنوع، لكن لا يجوز التضحية بالوحدة. كما لا ينبغي خنق الإبداع الحقيقي للروح القدس، ولا الخلط بين هذا الإبداع وبين العشوائية. ورأى أن أمام الأسقف مهمة صعبة وجميلة في الآن معاً تتطلب الحكمة والكفاءة والشركة، وقبل كل شيء الإيمان لأن الليتورجيا ليست عملاً بشرياً نصنعه نحن، بل هي المسيح نفسه الذي يواصل العمل في كنيسته.
الكلمات المتعلقة