البطريرك الراعي: الذكاء الاصطناعي لا يلغي مهنة المعلّم بل يدعوه إلى إعادة اختراعها
محرر الأقباط متحدون
الخميس ٣ سبتمبر ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
أكد البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة النظر في دور المعلّم ومفهوم العملية التعليمية، مشددًا على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل التربية الإنسانية.
جاء ذلك خلال افتتاحه، اليوم الخميس 3 سبتمبر 2026، المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان، الذي تستضيفه مدرسة سيدة اللويزة في زوق مصبح، تحت عنوان: «مهنة المعلّم في زمن الذكاءات الجديدة: مهنة لإعادة اختراعها».
وقال البطريرك الراعي إن العالم دخل مع الذكاء الاصطناعي زمنًا جديدًا تتسارع فيه المعرفة بصورة غير مسبوقة، بعدما أصبحت الآلة قادرة على جمع النصوص وتحليل البيانات وترجمة اللغات وإنتاج الصور والإجابة عن الأسئلة واقتراح الحلول والكتابة والتلخيص والبحث.
وأوضح أن هذا الواقع يطرح تساؤلات أساسية حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والتربية عليه، وكيفية توظيفه لخدمة الإنسان بدل أن يتحول الإنسان إلى خادم للتكنولوجيا، مؤكدًا أن هنا تحديدًا تبدأ مسؤولية المدرسة ودور المعلّم.
وأشار إلى أن المعلّم لم يعد مطالبًا بأن يكون المصدر الأساسي للمعلومة، في ظل قدرة الطالب على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات خلال ثوانٍ، وإنما أصبح دوره يتمثل في تحويل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة على التمييز والاختيار والإبداع.
وأضاف أن التحول التكنولوجي يستدعي الانتقال من تعليم يعتمد على تخزين المعلومات إلى تعليم يبني ملكة التفكير، ومن مناهج تكدّس المواد إلى أخرى تنمي مهارات الربط والتحليل والاستنتاج، ومن مدرسة تهيئ الطالب للامتحان إلى مدرسة تهيئه للحياة في عالم دائم التغير.
وشدد البطريرك الراعي على أن «الذكاء الاصطناعي لا يضع نهاية لمهنة المعلّم؛ بل يضع نهاية لصورة قديمة عن مهنة المعلّم»، موضحًا أن التكنولوجيا قد تنافس المعلّم إذا اقتصر دوره على تقديم المعلومات، لكنها تصبح أداة إضافية بين يديه إذا كان دوره بناء العقل وتنمية الشخصية وإيقاظ الفضول والتربية على المسؤولية والتمييز.
وأكد أن الكنيسة لا تخشى الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الكنيسة لم تكن يومًا عدوًا للعلم أو التقدم أو العقل البشري، وأن كل اكتشاف يمكن أن يكون نعمة عندما يوضع في خدمة الإنسان والخير العام.
وحذر في الوقت نفسه من التقدم التكنولوجي على حساب الجانب الإنساني، قائلًا إن المطلوب ألا تصبح المدارس «أكثر ذكاءً وأقل حكمة، وأكثر اتصالًا وأقل تواصلًا، وأكثر سرعة وأقل عمقًا».
ولفت إلى أن تحديث التعليم لا يعني فقط إدخال الحاسوب أو المنصات الرقمية إلى الفصول الدراسية، وإنما يتطلب تجديد الفكر التربوي نفسه، مع توفير تدريب مستمر للمعلّمين على أدوات الذكاء الاصطناعي، وفهم قدراتها وحدودها ومخاطرها، إلى جانب التكوين التربوي والأخلاقي اللازم لاستخدامها بصورة واعية ومسؤولة.
الراعي: المدرسة الكاثوليكية تربي الإنسان لا العقل فقط
وأكد البطريرك الراعي أن رسالة المدرسة الكاثوليكية لا تقتصر على تنمية العقل، وإنما تهدف إلى بناء الإنسان بكل أبعاده، موضحًا أن الإنسان ليس مجرد ذاكرة تختزن المعلومات أو عقل يحل المسائل أو رقم في نتائج الامتحانات، بل هو «عقل وقلب وضمير وإرادة وعلاقة ورسالة».
ودعا المسؤولين عن التربية الكاثوليكية إلى استثمار التطور التكنولوجي لإعادة بناء مفهوم المدرسة، مشددًا على أن مدرسة المستقبل ليست التي تمتلك أكبر عدد من التقنيات، بل التي تعرف لماذا تستخدمها ومتى تستخدمها ولأي غاية.
وقال إن المطلوب ليس مدرسة معادية للتكنولوجيا أو خاضعة لها، وإنما مدرسة تقود التكنولوجيا تربويًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، وتحسن توظيفها مع الحفاظ على هويتها ورسالتها في تكوين الإنسان.
واختتم البطريرك الراعي كلمته بالدعوة إلى إعادة اكتشاف مهنة التعليم، وتحديث المناهج والاستثمار في المعلّمين قبل الأجهزة، وتعليم الطلاب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي وحرية ومسؤولية.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لإعادة المعلّم إلى جوهر رسالته باعتباره صانع إنسان، وباني عقل، ومرافق جيل، وحامل رسالة، داعيًا إلى صناعة تعليم جديد يواكب العصر ويحافظ في الوقت نفسه على قيمة الإنسان.