البابا لاون يجدد دعوة البابوات لحل الدولتين.. 80 عامًا من الموقف الرسولي تجاه فلسطين وإسرائيل
محرر الأقباط متحدون
الثلاثاء ١٨ اغسطس ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
جدد البابا لاون الرابع عشر، في كلمته قبل تلاوة صلاة التبشير الملائكي يوم الأحد في كاستل غندولفو، دعوته إلى اعتماد حل الدولتين بوصفه الطريق الوحيد الممكن لتحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين. ويأتي هذا النداء في سياق سلسلة طويلة من المواقف والتصريحات التي صدرت عن البابوات والكرسي الرسولي على مدى نحو ثمانين عاماً، والتي حافظت، رغم تغير البابوات وتبدل الأوضاع في الشرق الأوسط، على موقف دبلوماسي ثابت يقوم على إقامة دولتين، بما يضمن العدالة والسلام العادل والدائم للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
تغير البابوات، كما تغيرت أوضاع الشرق الأوسط، ولا سيما بعد السابع من تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٣، عندما شهدت المنطقة تصعيداً مأساوياً وتطوراً متواصلاً في أعمال العنف والانقسام. لكن الخط الدبلوماسي للكرسي الرسولي خلال العقود الثمانية الماضية بقي ثابتاً، باعتبار حل الدولتين الأفق الوحيد القادر على ضمان العدالة والسلام العادل والدائم. وكان لاون الرابع عشر آخر حبر أعظم يؤكد بقوة هذا الموقف التاريخي، الذي امتد عبر عقود طويلة، قبل أن يصطدم بالرفض الواضح من جانب الحكومة الإسرائيلية.
وقال البابا بريفوست يوم الأحد الفائت قبل تلاوة صلاة التبشير الملائكي: أطلبُ بشكل عاجل من المجتمع الدولي أن يعمل على الدفع قدماً بحل الدولتين، من أجل سلام عادل ودائم. وجاء ذلك بعد أن ندد البابا بأعمال القمع والعنف التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية. وتحمل دعوة البابا طابعاً متسارعاً، إذ يطالب بأن يجد مشروع حل الدولتين طريقه أخيراً إلى التنفيذ، وهو المشروع الذي تعود صياغته عملياً إلى العام ١٩٤٧، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين.
منذ المطالبة الأولى بتدويل الأماكن المقدسة في القدس عام ١٩٤٧، تحول حل الدولتين، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى أحد المحاور الأساسية للعقيدة الدبلوماسية للكرسي الرسولي في ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إنه موقف راسخ، لم تفرضه ردود الفعل العاطفية أمام موجات التصعيد المتكررة، بل تأسس على مدى عقود، وظل البابوات يؤكدونه ويجددونه باستمرار.
تعود أولى هذه المواقف إلى العام ١٩٤٨، عندما دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى إقامة نظام في الأرض المقدسة، فلسطين، يضمن أمن الوجود، إلى جانب ظروف مادية ومعنوية للحياة، قادرة على توفير أساس طبيعي لازدهار روحي ومادي. وفي العام ١٩٤٩ أعرب بيوس الثاني عشر عن قلقه من أن تطال ويلات الحرب جميع المواقع المرتبطة بحياة المخلص، ودعا إلى التحرك بكل وسيلة قانونية لكي تحصل القدس على وضع قانوني مناسب.
هذا وكان البابا بولس السادس أول بابا يزور الأراضي المقدسة، وذلك عام ١٩٦٤، وقبيل حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧ تحدث البابا مونتيني بشكل صريح عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لينقل النظر إلى القضية من كونها حالة طوارئ إنسانية إلى قضية سياسية أساسية. وفي رسالة مؤثرة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، يو ثانت، دعا بولس السادس، باسم العالم المسيحي بأسره، إلى بذل كل جهد كي تتمكن القدس، بسبب طابعها المقدس والاستثنائي، من أن تُعلَن مدينة مفتوحة لا تُنتهك حرمتها، وخالية من أي عمليات عسكرية ومحصنة ضد آثار الحرب.
جاء الدفع الحاسم في وقت لاحق مع البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان أول بابا يطالب بقوة بحق الفلسطينيين في إقامة وطن مستقل، وفي الوقت نفسه يؤكد حق إسرائيل في العيش بأمان. وقال البابا فويتيوا في العام ١٩٨٤ إن الشعب اليهودي الذي يعيش في دولة إسرائيل، والذي يحتفظ في تلك الأرض بشهادات ثمينة على تاريخه وإيمانه، يستحق الأمن المنشود والطمأنينة العادلة، باعتبارهما حقاً لكل أمة وشرطاً للحياة والتقدم لكل مجتمع. وفي المقابل، أكد يوحنا بولس الثاني أن الشعب الفلسطيني، الذي تضرب جذوره التاريخية في تلك الأرض، ويعيش منذ عقود مشتتاً، له الحق الطبيعي، من أجل العدالة، في استعادة وطن والعيش بسلام وطمأنينة مع شعوب المنطقة الأخرى. وعاد البابا البولندي ليؤكد الموقف نفسه في العام ٢٠٠٠ خلال زيارته إلى الأراضي المقدسة. ولم تكن تلك الزيارة أول زيارة يقوم بها حبر أعظم إلى المنطقة، لكنها وُصفت بأنها تاريخية لما حملته من دلالات وأبعاد.
بعد تسعة أعوام، وفي أيار مايو عام ٢٠٠٩، توجه بابا آخر إلى الأرض المقدسة والجريحة، هو البابا بندكتس السادس عشر، الذي زار الشرق الأوسط. وسار البابا راتزينغر على خطى سلفه، مؤكداً أن صيغة الدولتين ليست ضرباً من ضروب المثالية أو الوهم، بل تشكل أساساً ضرورياً لوقف دوامة العنف وتأمين مستقبل للمنطقة. وقال بندكتس السادس عشر في تلك المناسبة إن الكرسي الرسولي يدعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة وطن فلسطيني ذي سيادة في أرض أجداده، يكون وطنا آمناً ويعيش بسلام مع جيرانه، ضمن حدود معترف بها دوليا. كما دعا إلى إبقاء شعلة الأمل حية، من أجل الوصول إلى طريق للقاء بين التطلعات المشروعة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين وإلى السلام والاستقرار.
مع البابا فرنسيس، اتخذ الالتزامُ بحل الدولتين بعداً دولياً أكثر وضوحاً، كما أصبح أكثر رسمية، مدعوماً أيضاً بخطوات دبلوماسية، من بينها توقيع الكرسي الرسولي عام ٢٠١٥ على الاتفاق الشامل الذي اعترف رسمياً بدولة فلسطين. وترافق ذلك مع خطوات ذات طابع رعوي، من بينها الصلاة المشتركة من أجل السلام التي أقيمت في حدائق الفاتيكان عام ٢٠١٤ بمشاركة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز والرئيس الفلسطيني محمود عباس، أبو مازن. وجاء هذا الحدث ثمرة لزيارة البابا فرنسيس إلى الأراضي المقدسة في نهاية أيار مايو من العام نفسه، حيث قال خورخي ماريو برغوليو بوضوح: لقد حان الوقت للجميع لكي يتحلوا بشجاعة السخاء والإبداع في خدمة الخير، وبشجاعة السلام، الذي يقوم على اعتراف الجميع بحق دولتين في الوجود والتمتع بالسلام والأمن ضمن حدود معترف بها دوليا.
وخلال السنوات التالية، وحتى وفاته، حاول البابا فرنسيس الدفع نحو تسريع الجهود الدبلوماسية والرمزية لتنفيذ حل الدولتين. وظلت كلماته وخطواته مدعومة بتصريحات البعثات الدائمة للكرسي الرسولي لدى المؤسسات الدولية، وكذلك بمواقف أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن حل الدولتين، لشعبين، هو الحل السياسي الأكثر إلحاحاً الذي ينبغي المضي فيه.