البطريرك الراعي: المرأة المارونية حارسة الهوية وصانعة القيم الروحية في الكنيسة
محرر الأقباط متحدون
السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦
محرر الأقباط متحدون
برعايةٍ وحضورِ صاحبِ الغبطةِ والنيافةِ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، شهدَ الصرحُ البطريركيّ في بكركي لقاءً رعويًّا وثقافيًّا نظّمه مكتبُ راعويّةِ المرأةِ في الدائرةِ البطريركيّةِ المارونيّة – بكركي، دعا من خلاله إلى المشاركةِ في إعلانِ ورقةِ العملِ بعنوان: «الفضائلُ المارونيّة: مسيرةٌ إلى القداسة».
وأُقيمَ اللقاءُ على مسرحِ الصرحِ البطريركيّ عندَ الساعةِ العاشرةِ والنصفِ صباحًا، بحضورِ شخصيّاتٍ روحيّةٍ وثقافيّةٍ واجتماعيّة، إلى جانبِ كهنةٍ وراهباتٍ وفاعليّاتٍ رعويّةٍ وتربويّةٍ ومهتمّينَ بالشأنِ الكنسيّ والراعويّ، في إطارِ مسيرةٍ تهدفُ إلى إعادةِ قراءةِ التراثِ الروحيِّ المارونيّ بلغةٍ معاصرةٍ تُخاطبُ إنسانَ اليوم.
واستُهلَّ اللقاءُ بكلمةٍ ترحيبيّةٍ للإعلاميّة أوغيت سلامة، رحّبت فيها بالحضور، وقدّمت صاحبَ الغبطة، متوقّفةً عندَ أهمّيّةِ هذه المبادرةِ في زمنٍ تحتاجُ فيه الكنيسةُ إلى إعادةِ إحياءِ القيمِ الروحيّةِ والإنسانيّة، كما شدّدت على أنّ تطويبَ البطريرك الياس الحويّك يشكّلُ علامةَ رجاءٍ ونورٍ للكنيسةِ ولبنان.
بعدها، أُقيمت صلاةٌ جماعيّة، تلتها باقةٌ من التراتيلِ المريميّة أدّتها الفنانة ليال نعمة بالسريانيّة والكلدانيّة والعربيّة، في أجواءٍ روحيّةٍ غلّفتِ اللقاءَ بالصلاةِ والتأمّل. كما ألقت نعمة كلمةً عبّرت فيها عن فرحِها بالمشاركةِ في هذا الحدث، معتبرةً أنّ “الثقافةَ أقوى من الأزمات”، وأنّ المرأةَ المارونيّة لعبت عبرَ التاريخِ دورًا أساسيًّا في زرعِ الإيمانِ وصونِ القيمِ ونقلِ التراثِ الروحيّ من جيلٍ إلى جيل.
وشدّدت على أنّ المجتمعَ اليومَ “بحاجةٍ إلى صوتِ ضمير، وإلى امرأةٍ قويّةٍ تحملُ الرسالةَ بشجاعة”، معتبرةً أنّ بكركي ستبقى “صوتَ الحقّ والحضورِ الوطنيّ والروحيّ”، ومهنّئةً الكنيسةَ المارونيّة بتطويبِ البطريرك الياس الحويّك، في علامةِ رجاءٍ تؤكّدُ أنّ الكنيسةَ “ليست متروكة، بل محمولةٌ بقداسةِ رجالِها ونسائها ورسالتِها”.
وتناولَ اللقاءُ كلمةً للدكتورة ميرنا مزوق، عرضت فيها مضمونَ ورقةِ العملِ «الفضائلُ المارونيّة: مسيرةٌ إلى القداسة»، مؤكّدةً أنّ الهدفَ من هذه المبادرةِ هو الانتقالُ من الفكرِ النظريّ إلى عيشِ الفضائلِ في الحياةِ اليوميّة، ضمنَ مسيرةٍ كنسيّةٍ وروحيّةٍ متجذّرةٍ في التراثِ المارونيّ ومنفتحةٍ على تحدّياتِ العصر.
وشدّدت مزوق على أنّ الوثيقةَ تنطلقُ من مفهومِ السينودسيّة، أي الإصغاءِ والمشاركةِ والعملِ المشترك، بحيثُ تكونُ المرأةُ شريكةً فعليّةً في الرسالةِ الكنسيّة، لا عنصرًا هامشيًّا أو ثانويًّا، مؤكّدةً أنّ المرأةَ المارونيّة لعبت عبرَ التاريخِ دورًا أساسيًّا في نقلِ الإيمانِ والقيمِ وحمايةِ العائلةِ والهويّة.
وأوضحت أنّ العملَ على الوثيقةِ ارتكزَ على مجموعةِ محاورَ أساسيّة، أبرزُها: التنشئة، والتواصل، ودورُ المرأةِ الشابّة، وربطُ التراثِ المارونيّ بالحياةِ المعاصرة، مشيرةً إلى أنّ الفضائلَ التي عاشها الموارنةُ عبرَ تاريخِهم، كالفقرِ الإنجيليّ، والطاعة، والعفّة، والنُّسك، والتعلّقِ بالأرض، ليست قيمًا ماضيّةً فقط، بل حاجةٌ إنسانيّةٌ وروحيّةٌ للإنسانِ اليوم.
وأضافت أنّ الوثيقةَ لا تهدفُ إلى إنشاءِ لجانٍ شكليّة، بل إلى خلقِ مسارِ عملٍ حيٍّ داخلَ الأبرشيّات والرعايا والعائلات، يُعيدُ للإنسانِ علاقتَه بجوهرِ الإيمانِ ويُترجمُ القيمَ المسيحيّةَ إلى ثقافةِ حياةٍ وشهادةٍ ورسالة.
وتناولَ اللقاءُ الفضائلَ الأساسيّةَ التي تُشكّلُ جوهرَ الحياةِ المسيحيّة، وهي: الفقرُ، والعفّةُ، والطاعةُ، والنُّسكُ، والتعلّقُ بالأرض، انطلاقًا مِن رؤيةٍ تؤكّدُ أنّ هذه الفضائلَ ليست مجرّدَ أفكارٍ نظريّةٍ أو ممارساتٍ شكليّة، بل مسارُ تحرّرٍ داخليٍّ يقودُ الإنسانَ إلى الحرّيّةِ الحقيقيّةِ والشهادةِ للإنجيل.
وأبرزَ المشاركونَ أنّ الفقرَ الإنجيليَّ لا يعني الحرمانَ أو البؤس، بل التحرّرَ مِن عبوديّةِ المالِ والمظاهر، فيما تعبّرُ العفّةُ عن وحدةِ الإنسانِ الداخليّةِ وانفتاحِه الأخلاقيّ، وتُعيدُ الطاعةُ الاعتبارَ إلى الإصغاءِ والشراكةِ وروحِ الجماعة، أمّا النُّسكُ فهو دعوةٌ إلى الاعتدالِ والتوازنِ الداخليّ، لا إلى الانغلاقِ أو رفضِ الفرح.
كما توقّفَ اللقاءُ عندَ معنى التعلّقِ بالأرضِ، باعتبارهِ ارتباطًا بالهويّةِ والذاكرةِ والتاريخِ والجذورِ والإيمانِ المعيَش، لا مجرّدَ ارتباطٍ جغرافيٍّ أو عاطفيّ، بل علاقةً حيّةً بالأرضِ التي حملتِ الإيمانَ والتراثَ والقداسةَ عبرَ الأجيال.
وخلالَ اللقاء، جرى عرضُ شهادةٍ مصوّرةٍ للأختِ دومينيك الحلبي، تحدّثت فيها بعفويّةٍ عن بدايةِ مسيرةِ راعويّةِ المرأة، وكيف التقت بصاحبِ الغبطة الذي طلب منها استلامَ هذه الرسالة، إضافةً إلى المراحلِ الأولى للعملِ مع مجموعةٍ من السيّدات اللواتي رافقنَ هذه المبادرةَ منذ انطلاقتها.
وفي كلمتِه، هنّأ صاحبُ الغبطة الكنيسةَ المارونيّة ولبنان والرهبانيّاتِ المارونيّة بتطويبِ البطريرك الياس الحويّك، معتبرًا أنّه “مؤسّسُ لبنان الكبير، ومؤسّسُ الرهبنة، والرجلُ الذي يسطعُ كشمسٍ ملهمةٍ للفضائلِ والمسؤوليّة”.
كما أثنى غبطتُه على العملِ الذي قام به مكتبُ راعويّةِ المرأة، مشيدًا بالجدّيّةِ التي عالجت بها الوثيقةُ موضوعَ الهويّةِ المارونيّة والفضائلِ الروحيّة، وقال مبتسمًا: “بعد هذا العملِ الرائع، ما هو دورُ الرجل بعد اليوم؟”.
وأكد غبطتُه أنّ المرأةَ هي التي تنقلُ الهويّةَ والقيمَ في مختلفِ حالاتِ الحياة، سواءٌ كانت أمًّا أو زوجةً أو جدّةً أو أختًا أو عاملةً أو مكرّسة، مشيرًا إلى أنّ المرأةَ “تُعلّمُ الرجلَ الفضائلَ التي تعيشُها”.
وأضاف غبطتُه أنّ الوثيقةَ تشكّلُ “رحلةً للوصولِ إلى الهويّةِ المارونيّة”، لأنّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ هويّتَه ما لم يعرفها أولًا، مشيدًا بربطِ فضائلِ مار مارون بالحياةِ اليوميّةِ المعاصرة، ومؤكدًا أنّ الفضائلَ المارونيّة ليست للرهبانِ فقط، بل للشعبِ المارونيّ كلّه.
وفي ختامِ اللقاء، سلّمت الدكتورة ميرنا مزوق صاحبَ الغبطة وثيقةَ العمل، قبل أن تُوجَّه الدعوةُ إلى السيّدات العاملاتِ في راعويّةِ المرأة والسيّدات الشابّات، لاستلامِ الوثيقة والانطلاقِ في العملِ من خلالها داخلَ الأبرشيّات والرعايا.
كما دعا القيّمونَ على هذا العملِ إلى التفاعلِ مع الوثيقةِ عبرَ القراءةِ الشخصيّةِ، والنقاشِ الجماعيّ، والمشاركةِ في مسيرةِ التفكيرِ والحوارِ والتجديد، مؤكدينَ أنّ الهدفَ ليس إصدارَ وثيقةٍ إضافيّة، بل إطلاقُ ديناميّةٍ روحيّةٍ ورعويّةٍ تُعيدُ وصلَ الإنسانِ المعاصرِ بجوهرِ الإيمانِ المارونيّ ورسالتِه.
وشدّدَ المشاركونَ على أهمّيّةِ إعادةِ إحياءِ الفضائلِ والقيمِ المارونيّةِ الأصيلةِ وترسيخِها في الحياةِ الكنسيّةِ والعائليّةِ والاجتماعيّة، باعتبارِها طريقًا للشهادةِ والقداسةِ في عالمٍ يواجهُ أزماتٍ روحيّةً وأخلاقيّةً متزايدة، مؤكدينَ أنّ الكنيسةَ اليومَ مدعوّةٌ إلى تقديمِ شهادةٍ حيّةٍ وسطَ عالمٍ سريعِ التحوّل، مِن خلالِ فضائلَ تُترجَمُ في الحياةِ اليوميّةِ وتُعيدُ للإنسانِ معنى الرجاءِ والثباتِ والانتماءِ.